آخر الاخبار

أخبار حركية


الرسالة التنظيمية رقم (15) :

   
طباعة التقرير
ارسال لصديق

 

 

 

 

 

 

في الذكرى الأربعين لحرب حزيران 1967

حتى نهزم الهزيمة

 

بعد أربعة عقود من نزولها الصاعق على الأمّة، ما زالت هزيمة حزيران 1967 تُلقي بظلالها الداكنة على الشعب الفلسطيني، وعلى الوطن العربي، وتاريخ المنطقة والعالم برمّته.

وبغض النظر عن المسميات، وطرح السؤال الثانوي إن كان ما انتهت إليه تلك الحرب الخاطفة، التي خسرت فيها جيوش ثلاث دولٍ عربيّة أمام إسرائيل، يُعتبر هزيمة أم أنه كان مجرّد نكسة، فإن ما حدث قد ترك بصماته الواضحة وآثاره المُزلزلة محفورة في ذاكرة هذا الجيل، وفي عُمق التاريخ، على امتداد السنوات الأربعين المنصرمة، وشكَّل نقطة مفصليّة في مسار القضيّة الفلسطينيّة والأمّة العربيّة بأسرها.

فهي هزيمة إذا ما نظرنا إلى آثارها العميقة الممتدة في الزمان والمكان، وهي نكسة إذا ما نظرنا إليها من زاوية ما شهدناه، في البداية، من مستوى الطموح والعمل على تجاوزها، وهو الأمر الذي لم يحدث عقب حروبٍ وهزائم أخرى شهدها التاريخ العربي منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

ولعل الظاهرة اللافتة التي برزت في سياق العمل على تجاوز تلك النكسة، أو الهزيمة، شيوع حالة سياسيّة وفكريّة ظلّت تطمح إلى إجراء مراجعة شاملة على كلّ المستويات، العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وطرح الأسئلة الجوهريّة والتفصيليّة المتعلقة بما حدث، وأسباب ما حدث، والبحث عن سُبُل تجاوز الكارثة التي ألمّت بالأمّة.

لقد شاعت، على الصعيد الفكري والأيدولوجي، والفكر السياسي بشكل خاص، ظاهرة صحيّة، تمثلت بمحاولات القيام بحفريات معرفيّة للوصول إلى المسببات الأعمق والأبعد للهزيمة، وبرزت تيارات فكريّة مختلفة لم تتردد في تبني مرجعيات متناقضة من الفكر السياسي، قوميّة ويساريّة.. وغيرها، أطلقت زخماً من الاجتهادات الجادة، ترافقت مع حالة الحراك الشعبي الباحث عن سُبُل الخروج من المأزق. وقد شاعت آنذاك حالة لم تتردّد في ممارسة النقد الذاتي قبل نقد الآخر.

وكانت الظاهرة اللافتة والأكثر بروزاً في عمليّة النقد الذاتي على صعيد المسؤولية السياسيّة، إقدام الرئيس جمال عبد الناصر نفسه على تبني ثقافة الإعتراف. فبعد أن اتضحت نتائج الحرب بشكلٍ واضح، لم يتردد الزعيم العربي من الظهور علناً أمام شعبه والشعوب العربيّة التي آمنت بقيادته، والإعلان مباشرة تحمُّله كامل المسؤوليّة عن النكسة التي حصلت، وتقديم استقالته إلى الشعب، والعودة إلى صفوف الجماهير، التي كانت ردّة فعلها السريعة والمباشرة، الخروج إلى الشارع للتعبير عن رفضها الهزيمة ورفض الاستقالة.

وعلينا أن نقرّ هنا، بأن عبد الناصر هو الزعيم العربي الوحيد، ربما على امتداد التاريخ العربي الطويل، الذي مارس ثقافة الاعتراف بشجاعة، وأعلن تنحيه عن موقعه والعودة إلى صفوف الجماهير، وهي الظاهرة التي لم تتكرّر بعد ذلك، رغم النكسات والهزائم والإخفاقات التي شهدناها على امتداد العقود الأربعة مرّت على ذلك اليوم.

لقد كان السؤال الأساس المطروح آنذاك، يتمحور حول ما إذا كانت نتيجة الحرب هي هزيمة للنظام العربي الذي خاضها دون أن يستعد لها بشكل كافٍ وجاد، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، أم أنها كانت هزيمة الشعوب العربيّة أيضاً!؟

هل هي هزيمة جيوش أم أنها هزيمة الإرادة العربيّة!؟

هل جاءت النتيجة الكارثيّة للحرب بناء على ضعف في القوّة العسكريّة ونقص في التسليح وفساد وترهُّل القيادات في المؤسسة العسكريّة، أم لسوء الحسابات والتقديرات للطبقات السياسيّة العربيّة الحاكمة!؟

وهل جاءت الهزيمة بمنأى عن غياب الديمقراطيّة عن التكوين السلطوي لأنظمة الحكم العربيّة، والخرق الفادح للحريات، ومنها حريّة تكوين الأحزاب، والممارسة الانتخابيّة النزيهة، وحريّة القول والكتابة والتعبير!؟

هل الخلافات العربيّة ـ العربيّة بين ما كان يُطلق عليه الدول التقدميّة والأخرى المحافظة، أو الرجعيّة في تسمية أخرى، هي سبب النكسة، والتي بلغت حدّها في حالة الاستقطاب السياسي التي شهدتها الساحة بين المحورين العربيين الكبيرين، ومن ثمّ انشغال وتورط أكبر قوّة عسكريّة عربيّة، ونعني مصر، في حرب ثانويّة في اليمن، تاركة للجيش الإسرائيلي فرصةً لبناء وتطوير بنيته الحربيّة دون تهديد جديّ، أم أن الخلل كان يكمن في طبيعة وبنية الطبقة الحاكمة في الدول العربيّة الأكثر تأثيراً وفاعليّة، وخاصّة تلك التي هيمنت فيها العسكرتاريا وأنتجت طبقة جديدة فاسدة؟!

هل كانت الهزيمة عسكريّة، أم سياسيّة، أم أنها، في حالتها المتقدِّمة، كانت هزيمة لتركيبة فكريّة سلطويّة بورجوازيّة صغيرة، كما جاء في بعض تحليلات الفكر اليساري آنذاك، أو بورجوازيّة الدولة البيروقراطيّة كما جاء في تحليلات أخرى، وهي الطبقة التي تنأى بحكم تكوينها عن امتلاك الرؤية والممارسة الجذريّة، والتي تبنّت، على الصعيد الواقعي، نوعاً من العقيدة الاشتراكيّة الوسطيّة، الهلاميّة، التي لا تتفق مع أسس الاشتراكيّة العلميّة؟!

هل كانت الهزيمة حدثاً عابراً في التاريخ ومعزولاً عمّا عداه، أم أنها كانت جزءاً من المشروع الصهيوني التاريخي الواسع وحلقة ضارية في سلسلة حلقاته لتحقيق الحلم الصهيوني، لا بإقامة وطن قومي يهودي فحسب، وإنما أيضاً تحقيق حُلم أوسع، يتمثّل بإقامة قوّة امبراطوريّة إقليميّة مهيمنة ومدججة بالسلاح؟!

مهما يكن، وبغضّ النظر عن حالة العصف الفكري السياسي التي شهدتها الساحة العربيّة على امتداد الوطن العربي، وتباين الاجتهادات الجادة في سبيل فهم أسباب وعوامل ما جرى وسُبُل تجاوزه، فإن الردّ الأبرز على تلك الأسئلة، وغيرها، جاء واقعياً، وتمثّل في بروز حركة المقاومة الفلسطينيّة، بقيادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وظهورها إلى العلن، وبامتداد جماهيري لافت على الأرض، بعد أن عملت بضع سنواتٍ في الظلّ أو تحت الأرض.

وقد أقرّ الزعيم العربي جمال عبد الناصر بالأهميّّة التاريخيّة البالغة لذلك الردّ، العسكري والسياسي الشعبي العارم على الهزيمة بقوله: إن حركة فتح هي أنبل ظاهرة برزت على الأرض العربيّة بعد حزيران 1967، وهي وجدت لتبقى ، وأضاف إليها الشهيد القائد ياسر عرفات نعم وجدت لتبقى وتنتصر.

وكان لانتصار الكرامة في آذار 1968 دوره اللافت في تعزيز هذه الظاهرة وبروزها وعلانيتها.

كما كان لوحدة الدم التي تمثّلت في التحام الجندي الأردني والفدائي الفلسطيني على أرض الكرامة، معانٍ سياسيّة وعسكريّة، إضافة إلى القيمة السيكولوجيّة الهامّة التي كان يحتاجها المقاتل والجندي والإنسان العربي، والتي تمثّلت في استعادة معنويّة لا يُستهان بقيمتها، للكرامة العربيّة المهدورة في حزيران 1967.

وقد شكّل القرار الناصري الشجاع بخوض حرب الاستنزاف، رداً عسكرياً وسياسياً ومعنوياً بالغ التأثير في حينه، وممهداً لا يُمكن القفز عن دوره في قرار عبور قناة السويس، وفي النصر العسكري الذي تحقق في حرب تشرين الأول 1973.

فقد مثّلت حرب الاستنزاف ترجمة عمليّة للشعار العربي الذي رفعته قمّة الخرطوم العربيّة التي التأمت عقب حرب حزيران 1967 مباشرة: لا صلح.. لا اعتراف.. لا مفاوضات، وشكّلت فعلاً للتجاوز ومحو آثار الهزيمة على الأرض، وتركت بصماتها الإيجابيّة في البنية النفسيّة للمقاتل، وفي وجدان الإنسان العربي، كما أسهمت هذه الحرب في إعادة الاعتبار للقدرات العربيّة الكامنة التي كادت أن تضيع وتنطمس تحت ظلال الهزيمة.

كلّ ذلك، لا ينفي أن أربعين عاماً من النتائج الكارثيّة للحرب، التي أطلقت عليها إسرائيل اسم حرب الأيام الستّة، لتستوي بعدها في اليوم السابع على عرش المنطقة، كما جاء في الميثولوجيا الدينيّة، قد حفرت آثاراً سلبيّة كبيرة وبالغة في التاريخ العربي الحديث، وأسهمت في تكريس الكيان الإسرائيلي كقوّة إقليميّة، وفي تسريب مفاهيم ووقائع سياسيّة وجغرافيّة جديدة ومحاولة تكريسها على امتداد العقود الأربعة المنصرمة.

فمنذ ذلك الوقت، شرع تعبير أزمة الشرق الأوسط يتغلغل رويداً رويداً في الفكر والعمل السياسي المتعلِّق بالصراع، ليحلّ مكان تعبير القضيّة الفلسطينيّة.

ورغم الانجازات الإسرائيليّة على هذا الصعيد، إلاّ أن الدور المتعاظم للنضال الفلسطيني، رداً على الهزيمة ورفضاً لها، وتزايد الفعاليّة المؤثِّرة لمنظمة التحرير الفلسطينيّة، التي انتزعت في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، اعترافاً عربياً ودولياً بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب القلسطيني، نجح في التأكيد على مركزيّة القضيّة، وتكريس الكفاح المُسلّح والتشبُّث به كشكلٍ أرقي لأشكال الكفاح الأخرى، مع التمسُّك بحق الللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم التي رُحِّلوا عنها عام 1948 في عمليّة تطهير عرقي غير أخلاقيّة مارستها العصابات الصهيونيّة، التي ارتكبت خلالها غير مذبحة ما زالت حقائقها تتكشّف يوماً بعد يوم.

لقد حالت البندقيّة الفلسطينيّة، آنذاك، دون تجاوز أو نسيان القضيّة الأساس، والتي تتلخّص بحقّ الشعب الفلسطيني بالتحرر والاستقلال والعودة إلى الديار. وكان الشعار الناصري المرفوع آنذاك، الذي يُردد أن ما أُخذ بالقوّة لا يُسترد بغير القوّة، سنداً ومتكئاً للفعل الفدائي الفلسطيني، الذي ظلّ يلقى دعماً ومساعدة عربيّة، رسميّة وشعبيّة دون حُدود، وعلى كافّة الصُّعد، السياسيّة والفكريّة والإعلاميّة والاقتصاديّة، وينسجم مع سياسة عربيّة كانت تنادي بإزالة النتائج الكارثيّة لتلك الحرب، وتُمثِّل في الوقت نفسه رفضاً عملياً للهزيمة.

مع ذلك، لم تتوقّف إسرائيل لحظة، منذ ذلك الوقت وحتّى الآن، عن استثمار نصرها العسكري في حزيران 1967، وفي حروبها اللاحقة، وكلّ معاركها الحربيّة، وحتّى معارك السلام التي خاضتها، لصالحها، دون أن تتقدّم خطوة واحدة جدية على طريق السلام.

فمنذ اليوم الأول لاحتلالها مدينة القدس، شرعت سلطات الإحتلال الإسرائيلي في تغيير معالم المدينة، الجغرافيّة والتاريخيّة والدينيّة، فوق الأرض وتحتها، وعملت على فرض الأمر الواقع على المدينة المُقدّسة، حفراً وضمّاً وتوسُّعاً وتهويداً، وإعلان القدس، بقسميها الشرقي والغربي، وبموافقة حكوميّة وبرلمانيّة إسرائيليّة، عاصمة موحّدة وأبديّة للدولة العبريّة، دون الالتفات إلى رفض المجتمع الدولي لإجراءاتها غير المشروعة في المدينة العربيّة المُحتلة، وكجزءٍ لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينيّة التي احتُلّت في عدوان حزيران من العام 1967. رغم الموقف الامريكي والمنحاز لإسرائيل، والمنافق المتردد والداعم والمبرر لعدوانها وأعمالها العدوانية الصارخة في الإستيطان والقدس والجدار.

ومع الاحتفالات الإسرائيليّة بالذكرى الأربعين لما أطلقت عليه زوراً توحيد القدس، أي ضمّ قسمها الشرقي بالقوّة، وهو ما يعني محاولة تكريس الاحتلال الكامل للمدينة المُقدّسة بقسميها الشرقي والغربي (الذي جرى احتلاله عام 1948 والذي احتل في حزيران 1967 )، والتي تترافق مع الذكرى الأربعين للحرب العدوانيّة التي أدّت إلى سقوط ما تبقّى من أرضٍ فلسطينيّة، إلى جانب مساحات لا يستهان بها من الأرض العربيّة، مع هذه الاحتفالات، تمضي إسرائيل قُدُماً في انتهاكاتها الصارخة، غير عابئة بموقف المجتمع الدولي الذي لا يعترف بإجراءات الضمّم والتهويد.

فرغم الغياب الأميركي والأوروبي عن تلك الاحتفالات الإسرائيليّة المفبركة وغير الشرعيّة، التي شرعت بها أواسط أيّار الماضي، والتي ترافقت مع دخول نكبة 48 السنة الأخيرة لعقدها السادس، وترديد الاتحاد الأوروبي لموقفه المبدئي الذي يرفض الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، إلى جانب القناعة بأن احتلال إسرائيل للقسم الشرقي من القدس هو جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينيّة..

رغم ذلك، ورغم أن القدس، بقسميها، هي قضيّة خاضعة للتفاوض، وفق الاتفاقيات المُوقّعة، فقد جاءت الاحتفالات بمجموعة من الإجراءات التهويديّة الجديدة لتعزيز مدينة القدس، من أجل التأكيد على ما تعتبره إسرائيل هويتها اليهوديّة والعمل على تثبيت التفوق الديمغرافي اليهودي فيها، من خلال إقرار مشاريع إستيطانية جديدة وجلب مستوطنين جدد إليها، وحلّ الفوبيا الإسرائيليّة التي تُبدي رعباً مرضيّاً من الانهيار الديمغرافي لصالح العرب، أي الفلسطينيين أبناء المدينة، ومواصلة مصادرة الأراضي الفلسطينيّة من أصحابها الشرعيين، الشعب الفلسطيني، مع مصادرة الهويات من المقدسيين، في محاولة لنفي حقوقهم بالعيش في مدينتهم.

إن الخلل الديمغرافي الحقيقي لا ينبع من الزيادات الطبيعيّة للسكان العرب في القدس، ولكنه يأتي نتيجة سياسات الاحتلال سالفة الذكر، التي تصادر من أهالي المدينة حقّهم في المواطنة، والعيش بكرامة على أرضهم التي تتهددها مشاريع المصادرة وغول الاستيطان الكولونيالي، حيث تأتي بالغرباء من أصقاع الدنيا ليستوطنوا القدس لمجرّد كونهم يهوداً يمتلكون، ظُلماً، مثل هذا الحق!؟

لقد رصدت إسرائيل ملايين الدولارات سنوياً، بهدف تكريس وتعزيز السيطرة الإسرائيليّة الاستيطانيّة العدوانيّة على القدس الشرقيّة المحتلة في حزيران 1967، وترجمة خططها الرامية إلى تنفيذ المزيد من مشاريع التهويد للمدينة، التي شرعت ملامحها العربيّة والإسلاميّة تذوب أمام عيونٍ باتت عاجزة حتّى عن ذرف الدموع، حُزناً وحسرة!

بعد أربعين عاماً من نكسة حزيران 1967، التي تمضي نحو التكرُّس، للأسف، كهزيمة ساحقة بعد غياب القيادات المقاتلة عن جبهات الصراع، واندثار الإرث الكفاحي الذي أرساه جمال عبد الناصر، وبن بيللا، وياسر عرفات، ونادوا به، وعملوا عليه، لمواجهة احتلال الأرض بالقوّة رداً على الاستيلاء عليها بالقوّة.

بعد أربعين عاماً، نقف لنتأمل الحال العربي، فتصطدم أبصارنا بمشهد يثير الأسى، بكلّ أبعاده وتفاصيله.

فعلى الرغم من الدروس البليغة التي قدّمتها حرب تموز 2006 وقدّمها المقاتل اللبناني على أرض الجنوب، وفي مقدمتها التأكيد على إمكانيات المواجهة والمقاومة وحتّى بلوغ النصر، فإن روح الاستكانة ما زالت تُلقي بظلالها على المساحة الممتدة من المحيط إلى الخليج، ومنها إلى مساحات كبيرة من العالم الإسلامي.

ففي الجانب المقابل للإجراءات التي يمعن فيها الاحتلال في الضفّة وغزّة والقدس، ثمّة صمت عربي وإسلامي رهيب، تعبيراً عن حالة من العجز المستعصية، وتمزُّق في الجسد العربي زاده المشهد العراقي تمزُّقاً، يفاقمه ما هو مُقترح من خراب على جبهات عربيّة أخرى.

وإذا كانت هزيمة حزيران قد أنجبت أنبل ظاهرة شهدتها الساحة العربيّة، فإن الذكرى الأربعين لاحتلال ما كان قد تبقّى من فلسطين ومن الجزء الشرقي من القدس، تجئ في وضع هو الأسوأ لما بلغته الحالة الفلسطينيّة من ترديات وانهيارات مأساويّة. فالصراع على السلطة بلغ حدوده القصوى التي خلخلت الصورة النبيلة للمقاتل الفلسطيني الذي طالما خاض معاركه من أجل الحريّة والتحرير والعودة.

وقد شاهدنا، وما نزال، كيف أن حَمَلة السلاح باتوا يوجهون أسلحتهم إلى صدور بعضهم البعض، في ظلّ حالة تشهد تراجعاً فادحاً لإرادة المقاتل الفدائي التي عرفتها مسيرة كفاحنا الوطني على امتداد العقود الأربعة المنصرمة، لتحلّ مكانها، عمليات اقتتال داخلي بلغت من القسوة حداً لا مثيل له وغير مسبوق مما يعزل الجماهير عن دورها الكفاحي من خلال خلق بديل وهمي لفعلها التاريخي المطلوب، وتمنح الطرف المُعتدي، القاتل، في الوقت نفسه، سلاحاً سياسياً وإعلامياً مجانياً يعزز من خلاله مواقعه على الصعيد الدولي، والظهور كضحيّة من ضحايا الإرهاب!

لا نبحث في ذكرى أربعين حرب حزيران من وسائل لتعزيز الهزيمة وتكريسها لتتمكّن في النهاية من روح المقاومة فينا. فما يحدث في غزّة من احتراب داخلي، وإلغاء لفعل المقاومة الحقيقي، لا يمكن إلاّ أن يؤثِّر سلباً في مستقبل إدارة الصراع الفلسطيني مع المُحتل.

ولتكن ذكرى النكسة، أو الهزيمة، فرصة للنقد الذاتي قبل نقد الآخر. فإسرائيل تواصل عدوانها على الأراضي الفلسطينيّة فيما نحن نعاني من حالة غير مسبوقة من التفكك وفقدان البوصلة، وهو ما يمنح مخططاتها العدوانيّة مناخاً ملائماً لمزيد من العدوان، وتجديد الهزيمة.

لتكن المناسبة فرصة لكي نطرق، وعلى مستوى واسع، بوابات الاتفاق على كيفيّة إدارة الصراع مع الاحتلال وسياسات إسرائيل التوسعيّة، وبأساليب متجددة، فاعلة وخلاّقة. فمبدأ حق المقاومة لا يسقطه أي حديث تضليلي يحاول وضعه في خانة الإرهاب، وهو حق مشروع تكفله لنا كافة القوانين والشرائع الدوليّة وبديهيات حقوق الانسان وحقوق الحرية والكرامة.

إن الوصول إلى توافقات فلسطينيّة حول أساليب المقاومة، دون أن يستأثر طرف من الأطراف بفرض رؤيته الأحادية لكيفيّة إدارة الصراع، لا يتمّ إلاّ بالحوار الوطني الشامل والمتواصل. وبتحقيق ذلك نستطيع القول أننا بتنا مهيّأين لهزيمة الهزيمة.

 

المفوض العام للتعبئة والتنظيم

احمد قريع "ابو العلاء"

2007/6/5

06/06/2007

 

أضف تعليق :

fghfgh
  1 -  21/07/2009 , زين الدين , الجزائر
حول فلسطين
بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد

 

 

جميع الحقوق محفوظة للموقع 2010
fact@palnet.com


Developed By : Jihad Najajrah
-Web Master :Walid Al qenneh

5973