الكمين المدبـّر
الانفجار في غزة، واندلاع الاقتتال في شوارعها، ومراكزها، واستهداف مؤسسات السلطة
فيها، والانقضاض على مواقع الأمن الوطني والأجهزة الأمنية (الأمن الوقائي،
المخابرات، الاستخبارات ..)، وتصفية بعض قادتها وكوادرها، كل ذلك لم يكن صدفة، ولم
يكن مسألة عفوية.. بل كان مخططاً له، وتم تنفيذه عن عمد وسبق إصرار، في سياق خطة
لحركة حماس، تهدف إلى تنفيذ انقلاب عسكري، للسيطرة على قطاع غزة ، وإضعاف وتهميش
حركة فتح، مع اغتيال وتصفية قياداتها، ومن ثم الانتقال إلى الضفة ، ونقل تجربة
القوة التنفيذية إليها، وإغراقها بالفوضى والاقتتال، وتدمير السلطة الوطنية
الفلسطينية، وتدمير منظمة التحرير وفكفكتها، وإعادة تركيب أطر حمساوية جديدة تدعي
تمثيل الشعب الفلسطيني.
وعلى الرغم من المقدمات التي سبقت الانفجار الأخير في غزة ، فإن قيام القوة
التنفيذية مدعومة بكتائب القسام الحمساوية بهذا الهجوم الواسع كان مفاجئاً ، وليس
له ما يبرره.
واستهدف الهجوم الحمساوي الواسع أول ما استهدف مكتب الرئيس وحرس الرئاسة، ومواقع
الأمن الوطني والأجهزة الأمنية ، ومكاتب حركة فتح وكوادرها في مختلف مناطق القطاع.
وهكذا، تأكد، وأكثر من أي وقت مضى، أن ما يسمى بالقوة التنفيذية ما هي إلاّ قوّة
غير شرعية، وأداة من أدوات حماس، للقتل والتصفية والتدمير، تخضع لتعبئة حاقدة ،
ومختارة من رعاع وزعران وبالتالي فهي قوّة انكشارية، تتنافى أعمالها مع الأخلاق
والقيم، ومع تعاليم الإسلام السمحة.
إن ما جرى في قطاع غزة، تم نقله عبر شاشات الفضائيات العربية والأجنبية، وألحق أفدح
الأضرار بصورة النضال الفلسطيني، وشوّه النضال العادل للقضية الفلسطينية ، وأساء
إلى قداسة فلسطين لدى الرأي العام العربي والعالمي، وضرب في الصميم دائرة الأصدقاء
التي وقفت طوال العقود الماضية إلى جانب حقوق شعبنا، وقلل من مكانة هذه الحقوق في
السياسة الدولية.
هذا ما جلبته حركة حماس إلى القضية الفلسطينية، والتي حصلت عبر الديمقراطية التي
رسختها فتح والرئاسة الفلسطينية على أغلبية في المجلس التشريعي، لكي تدوس فيما بعد
على هذه الديمقراطية، وتلجأ إلى الأساليب العسكرية الانقلابية لاجتثاث حركة فتح،
والإجهاز على مؤسسة الرئاسة، وإعادة تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية بما يتلاءم مع
سياسة المحاور والتجاذبات الإقليمية، أو بما يتلاءم مع أهدافها ولو عبر المساومات
والتنازلات، كما حدث في وثيقة مستشار رئيس الوزراء(أحمد يوسف).
إن نظرة أولية إلى ما جرى يؤكد الحقائق التالية:
أولاً :
على مستوى القرار في فلسطين، يمكن أن نطرح الأسئلة التالية: هل هناك خطة لضرب
وإنهاء القرار الوطني الفلسطيني المستقل، هل يجري التخطيط لكي يصبح القرار مرتبط
بالحركة العالمية للإخوان المسلمين؟ أم يخطط لكي يكون مرتبطاً بالمحور الإيراني
وحلفاء المحور الإيراني ؟ أم أن القرار الذي يخطط له سيكون مرتبطاً ببعض المغامرين
من قيادات حماس؟
ثانياً
: هناك خطة انقلابية حمساوية للانقضاض على كل شيء في الساحة الفلسطينية، ولا شك أن
المستوى السياسي في أطر حماس قد أقرّ مثل هذه الخطة، ولكن بعد بدء العمليات
العسكرية الحمساوية ضد فتح والسلطة ، فإن المستوى السياسي قد أصبح يخضع بالكامل
لقرارات المستوى الأمني والعسكري، وهذا ما يفسر إخفاق أي اتفاق لوقف إطلاق النار.
ثالثاً
: هدف حماس هو تدمير مؤسسات وأطر فتح، والرئاسة الفلسطينية، ومؤسسات السلطة
الوطنية، تمهيداً لتدمير منظمة التحرير.. ويبدو أن ذلك يأتي في إطار سياسة الفك
والتركيب التي تسعى حماس من خلالها إلى إلغاء المؤسسات القائمة، وتغيير الوضع
القائم، وتشكيل أطر جديدة على مقاس السياسات الحمساوية.
رابعاً
: وغني عن القول، أنه لو تحقق ذلك لا سمح الله، فإن النظام السياسي الفلسطيني
سينتهي، وسيتم إلغاء الحياة الديمقراطية، ولن يكون هناك تعددية سياسية أو حزبية ذات
مغزى، ولن يكون هناك مبدأ لتداول السلطة، وستكون الانتخابات الأخيرة هي آخر
انتخابات تجري في فلسطين.
خامساً
: أكدت الأحداث الأخيرة ، وعمليات القتل والتدمير التي قامت بها قوات
حماس(التنفيذية ، وكتائب القسام) زيف الشعارات وكذب التوجهات التي رفعتها أو أعلنت
عنها حماس، مثل توجهاتها الإسلامية، أو شعارات الإصلاح والتغيير ، أو مكافحة
الفساد، فممارسات القوى الظلامية الحمساوية هي أبعد ما تكون عن الإسلام والشريعة
والأخلاق والتعاليم الإسلامية، وبدلاً من أن تنجز حماس الإصلاح والتغيير، أنجزت
الخراب والتدمير، وبدلاً من مكافحة الفساد، راكمت تراثاً من الفساد.
وفضلاً عن ذلك كله، نسيت أو تناست حماس الاحتلال الإسرائيلي، وعمليات التهويد
والاستيطان والجدار، والاغتيالات للكوادر، وتجريف الأراضي، والتنكر للحقوق الوطنية.
تناست ذلك كله ومضت في خططها على خلفية إعلانها عن الموافقة على هدنة طويلة الأمد
مع الاحتلال حسب وثيقة أحمد يوسف.
وانطلاقاً من ذلك كله، فإن تصدي كوادر فتح الشرفاء، وقيادات الأمن الوطني، وقوات
أمن الرئاسة ، والأجهزة الأمنية الفلسطينية، قد أفشل هذه المؤامرة الدنيئة لحركة
حماس.
والمطلوب، أن تواصل هذه القوى جهودها، من أجل منع حماس من تحويل هذا الاقتتال إلى
حرب أهلية شاملة.
مطلوب ردع القوى الظلامية في حماس، ومنعها من تحقيق أهدافها ومأربها.
وأن استجابة فتح والرئاسة الفلسطينية للوساطة الشعبية ، والوساطات التي تقوم بها
الفصائل الفلسطينية، والوساطات العربية. إن استجابة فتح لهذه الوساطات، يؤكد أن
الحركة تتحلى بروح المسؤولية، وأنها تتحمل المسؤولية التاريخية في حماية المشروع
الوطني، وأنها ستبقى وفيّة لدماء الشهداء، والمبادئ والقيم العليا للشعب الفلسطيني،
وللمبادئ والقيم الإنسانية، وللثوابت الفلسطينية مهما كلف الأمر من تضحيات.
والمطلوب من قادة وكوادر وقواعد الحركة في هذه المرحلة مزيداً من رصّ الصفوف،
والتوحّد، والتضامن، لحماية المشروع الوطني .
حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"
مكتب الشؤون الفكرية والدراسات
3/2/2007