حكومة أولمرت
خطة
الفصل الجديدة (التجميع)
وآفاق تطبيقها
-
ما هي حقيقة خطة
أولمرت المعروفة باسم خطة التجميع، وعن أية حدود تتحدث، وأية مستوطنات ستخلى
بموجبها وكم هو عدد المستوطنين الذين سيتم اخلاؤهم والى أين؟
-
هل تعتبر حكومة
أولمرت ثابتة وقوية لدرجة النجاح في تطبيق هذه الخطة، وما هي الأسس التي تقوم
عليها هذه الحكومة؟
-
هل خطة التجميع هي
خطة اسرائيلية صرف، أم انها تنسجم مع مخططات عالمية أوسع؟
-
ما هو موقف الرئيس
جورج بوش الحقيقي من خطة أولمرت هل يؤيدها فعلا، أم لا يؤيدها؟ هل صحيح انه
طلب تعديلها؟
-
ما هي الأهداف
الاسرائيلية الحقيقية من وراء هذه الخطة؟
-
ماذا بوسع الجانب
الفلسطيني أن يفعل ازاء هذه الخطة؟ كيف تقتضي المصلحة الفلسطينية التعامل معها؟
هل صحيح أن هذه الخطة تنسجم مع رؤيا حركة "حماس"، وأن حكومة أولمرت أخذت
بالاعتبار موقف الحركة وسائر قوى المعارضة الفلسطينية عندما وضعتها؟
-
هل بإمكان
الفلسطيني أن يؤثر عموما على السياسة الاسرائيلية وبشكل خاص على هذه الخطة؟
مقدمة
على الرغم من العدائية المباشرة التي تبديها حكومة اسرائيل الجديدة بقيادة ايهود
اولمرت للشعب الفلسطيني وعلى الرغم من الخطاب السياسي لهذه الحكومة ولرئيسها ،
والذي يبدو خطابا اسرائيليا تقليديا على السطح، فإن انتخاب هذه الحكومة بالذات،
والظروف التي أحيطت به، تدل على شارات جديدة وغير مسبوقة في السياسة الاسرائيلية لا
بد من رؤيتها ومعالجتها.
فهذه ليست حكومة اسرائيلية تقليدية أخرى. برنامجها السياسي ليس البرنامج التقليدي
لحكومات اسرائيل . تركيبتها جديدة. أهدافها مختلفة. وهي تحمل آفاقا جديدة يجدر
قراءتها وتحليلها بأسلوب علمي ومهني بعيد عن العاطفة والتعصب. بل ان النظرة العربية
التقليدية الى هذه الحكومة ، من شأنها ان توقعنا في مطبات سياسية أخرى مع العالم
وتفقدنا المزيد من المواقع التي كنا خسرناها بسبب الأخطاء والتسرع والتحليل
التقليدي للأمور وتسقطنا في المصيدة التي نصبتها وتنصبها الحكومة الاسرائيلية. فيما
القراءة العلمية للتطورات الاسرائيلية التي قادت الى هذه الحكومة ، تجعلنا قادرين
على التعاطي معها بما يخدم قضايانا بشكل أفضل ويفتح لنا الباب للمشاركة بدلا من
استبعادنا التام عن دائرة القرار حتى فيما يخص قضيتنا الوطنية ومصير شعبنا.
ولكي يكون واضحا من البداية فإننا ندرك تماما أن حكومة أولمرت ليست معنية بتسوية
دائمة للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني وفق البرنامج السلمي المعروف والقائم على أساس
مبدأ "دولتان للشعبين" على أساس حدود العام 1967، وأحد أهم مميزاتها انها تفتش عن
أية وسيلة ممكنة لاستبعاد السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير الفلسطينية عن
المشاركة في مفاوضات السلام، وليس فقط بسبب انتخاب "حماس" لأكثرية المجلس التشريعي
وقيادة الحكومة الفلسطينية. فرئيس الوزراء أولمرت والغالبية الساحقة من وزرائه،
خصوصا من حزب "قديما" يحاولون أن يقنعوا العالم بأن شعبنا الفلسطيني ليس ناضجا بعد
لهذه التسوية الدائمة وليس مستعدا بعد لدفع ثمن عملية السلام الشامل والثابت
والنهائي. وقد صرح وزير القضاء، حايم رامون، بذلك بشكل واضح في مقابلة مع صحيفة
"يديعوت أحرونوت" (19 أيار 2006) . ورامون هو أحد العناصر بالغة التأثير على أولمرت
وقبله على أرئيل شارون، وكان من أول المبادرين الى خطة الفصل الأولى في غزة. وبفضل
دوره في بلورة هذه الخطة سوية مع المستشار الأول لشارون، دوف فايسغلاس، تمكن رامون
من التقرب الى شارون في حينه لدرجة انه كان أول المبادرين الى اقناعه بتفكيك حزب
الليكود وتشكيل حزب جديد بقيادة شارون وبيرس، وهو اليوم أحد المبادرين لخطة الفصل
الثانية "التجميع"، كما يسميها هو وأولمرت.
فقد قال رامون في تلك المقابلة انه يشارك في المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية منذ
أوسلو وانه التقى مع كل القادة الفلسطينيين بعدة مستويات وأجيال، ولم يجد فلسطينيا
واحدا منهم مستعدا للتنازل عن حق عودة اللاجئين أو عن القدس الشرقية. ولذلك فلا
يمكن أن تتوصل اسرائيل الآن مع الفلسطينيين الى تسوية دائمة ولا بد من التوجه الى
تسوية مرحلية. فإن لم يكونوا مستعدين لذلك، على اسرائيل أن تتجه الى إجراءات أحادية
الجانب.
ورامون ليس وحده في هذا الشأن. ففي هذا الرأي يشارك العديد من قادة الجيش ومن راسمي
المخططات الاستراتيجية للحكومات الاسرائيلية، أبرزهم الجنرال غيورا آيلاند، رئيس
مجلس الأمن القومي (الذي استقال مؤخرا من هذا المنصب لأن أولمرت لم يشاوره في وضع
هذه الخطة)، فقال في مقابلة مع صحيفة "هآرتس" يوم الأحد 4 حزيران 2006 ، ان التوصل
الى تسوية دائمة للصراع الاسرائيلي الفلسطيني في هذه المرحلة هو ضرب من المستحيل.
والسبب هو:"ان الاسرائيليين ليسوا مستعدين للتنازل للفلسطينيين عن الحد الأدنى الذي
يطالبون به وهو دولة فلسطينية على حدود 1967 تكون عاصمتها القدس الشرقية وضمان حقوق
اللاجئين، والفلسطينيون ليسوا مستعدين للتننازل لاسرائيل عن الحد الأدنى الذي تطالب
به ، وهو استمرار وحدة القدس عاصمة لاسرائيل و20 % على الأقل من مساحة الضفة
الغربية والتنازل عن حق عودة اللاجئين الى الأراضي الاسرائيلية".
وعلى الرغم من هذا الموقف، الذي عبّر به رامون وآيلاند عن آراء ومواقف العديد من
القادة الاسرائيليين الحاليين في الساحة السياسية والعسكرية وساحة التخطيط
الاستراتيجي، فإن هناك حاجة لفهم طبيعة هذه الحكومة وخيوط تحركاتها . فبهذا الفهم
يمكن ان نتوصل الى اختراقات في الجدار الذي تبنيه الحكومة الاسرائيلية من حولنا
أمام العالم وأن نؤثر في التطورات. لأن الحكومة الاسرائيلية ليست اللاعب الوحيد في
الساحة. فهنالك لاعب رئيسي آخر هو الولايات المتحدة، التي تعتبر ذات مصالح متعددة
ومتناقضة في آن، وبالامكان ايجاد تجاوب فيها للعديد من طروحاتنا الصحيحة المدروسة.
وهناك لاعبون ثانويون لكن لهم دور هم: أوروبا وروسيا ومصر والأردن، صلتنا بهم أقوى
وأقرب. والأهم دورا والأكبر تأثيرا من الجميع، هناك الرأي العام الاسرائيلي الذي
بدأ يثبت انه ليس ببغاء لحكومته وان لديه قراءة مختلفة للأوضاع وأن له رأيا مستقلا
ومؤثرا.
فمن يحسب ان التغيرات التي شهدتها اسرائيل في السنوات الثلاث الأخيرة هي من صنع
أرئيل شارون وحده، يكون مخطئا. فالحقيقة هي أن الشعب في اسرائيل هو الذي فرض هذه
التغيرات. وأن شارون كان القائد القوي المناسب لترجمة هذا التغيير في لغة القيادة.
الجمهور قاده الى التغيير لأنه لم يعد يحتمل الاستمرار في الوضع القائم وكان ينتظر
قائدا شجاعا يستطيع اتخاذ قرارات من نوع جديد. وليس صدفة ان شارون الذي أعلن فقط
في سنة 2003 ان مصير "نتسريم" (إحدى المستوطنات اليهودية في قطاع غزة) هو كمصير تل
أبيب، قبلب رأيه رأسا على عقب وبعد ستة أشهر من تصريحه المذكور يقرر الانسحاب
الأحادي الجانب من جميع المستعمرات في قطاع غزة وليس فقط من نتسريم. وقد أدهش
الجميع هذا الانقلاب المفاجيء في موقفه، ولكن عندما سأله أحد الصحفيين عن هذا
الانقلاب، أجاب:"موشيه ديان سئل نفس السؤال عندما غير رأيه ووافق على الانسحاب من
شرم الشيخ حسب اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر. فأجاب أنه سمع من قائد أوروبي مقولة
أعجبته، هي ان الحمار وحده هو الذي لا يغير رأيه عند الضرورة".
من
هنا ، فإننا ننطلق في هذا البحث من منطلق دراسة مجمل الأوضاع والتطورات في اسرائيل
، التي قادت الى خطة الفصل وخطة التجميع ، بما في ذلك نتائج الانتخابات الأخيرة
ونتوصل بعد ذلك الى آفاق المستقبل وكيف يمكن للطرف الفلسطيني أن يؤثر عليها.
نتائج الانتخابات
الأخيرة
ليس هنالك شك في أن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت الأغرب بين جميع معارك
الانتخابات السبع عشر التي خاضتها الأحزاب الاسرائيلية للكنيست منذ تأسيسها. فقد
فاز فيها فيها حزب جديد هو حزب "قديما"، بعد خمسة أشهر من تأسيسه، لم يتمكن خلالها
من بناء شبكة فروع ونشطاء بشكل جدي. وفاز فيها الحزب الجديد رغم انه يضم مجموعة من
الشخصيات التي تتحالف من شتى أقطاب الخارطة الحزبية، بدءا بحزب العمل (شمعون
بيرس وحايم رامون وداليا ايتستك) الى حزب شنوي (مؤسس
الحزب وأمينه العام، رايخمن) وحتى الليكود (أولمرت وموفاز وبار أون). وفاز فيها
الحزب رغم أن قائده أولمرت يعتبر شخصية باهتة في اسرائيل ، أصبح رئيسا بالصدفة (بعد
مرض شارون المفاجيء)، ولم يأت من خلفية عسكرية، وهو نفسه لم يكن يحلم مجرد حلم
بالوصول الى منصب رئيس الحكومة. بل ان ايهود أولمرت، كان قبل خطة الفصل قد قرر
اعتزال السياسة وبدأ يدرس عدة عروض قدمت له للانتقال الى عالم رأس المال. وباع بيته
الكبير في القدس بثلاثة ملايين دولار واشترى بيتا اصغر، حتى يستثمر المال المجني من
هذه الصفقة في عالم رجال الأعمال. وفقط بعد ذلك طلب منه شارون البقاء، لأنه أراد
الى جانبه أكبر عدد من نواب الليكود السابقين، وافق على طلبه وجمد مشاريعه
الاقتصادية وعاد الى السياسة.
فكيف يمكن لحزب جديد تحت قائد كهذا أن يحصل على أكبر قدر من أصوات الناخبين (690
ألف صوت) ويصبح فجأة أكبر الأحزاب؟
السر يكمن في ما سبق هذه المعركة الانتخابية من تطورات. إذ ان نتيجة الانتخابات هذه
ما هي الا تعبير عن التطورات والتحولات الجارية في المجتمع الاسرائيلي والتي تفرض
تغييرا مقابلا في السياسة وبين السياسيين. فاسرائيل العام 2006 هي ليست اسرائيل
العام 1950 حين سارت بشكل أعمى وراء القيادة، وهي ليست اسرائيل العام 1960 عندما
اقتنعت بأن العرب يريدون الالقاء بها في البحر وهي ليست اسرائيل العام 1967 التي
أسكرتها نشوة النصر العسكري فراحت تنظر باستعلاء جنوني نحو العرب أجمعين، وليست
اسرائيل العام التالي والتالي.
انها اليوم دولة أخرى في العديد من المقاييس. يمكننا أن نعد سلسلة طويلة من
الاخفاقات والتراجعات والأخطاء الفاحشة، ولكننا في الوقت نفسه نرى لها انجازات
مذهلة على أكثر الصعد والمجالات. انها دولة ازدهار عصرية، لا تريد أن تخصص معظم
مواردها للحرب. دخل الفرد فيها تجاوز بالمعدل مبلغ 18 ألف دولار في السنة، وهم
يعرفون انه في حالة انتهاء الحرب وسيادة السلام سيكون بالامكان زيادة هذا الدخل
ليضاهي الدول الأوروبية المتطورة. اسرائيل العام 2006 هي دولة تصدير كبيرة نسبيا،
انتاجها الصناعي المدني (في فروع المجوهرات والأدوات الصناعية والبوتاسيوم
والتكنولوجيا العالية والزراعة الحديثة المتطورة والورود والخبرة في مكافحة التصحر)
وانتاجها الصناعي العسكري (الأسلحة والخبرات الأمنية وأجهزة الحراسة والانذار
والرادارات والمراقبة والأقمار الصناعية) غزيران تنافس بهما دولا صناعية وزراعية
كبرى. وتطمح في فتح أسواق جديدة في العالم، وتنظر بشغف الى أسواق العالم العربي،
المتعطش بدوره للاستيراد. وانه سر معلن ان 13 دولة عربية تستورد بضائع من اسرائيل
بواسطة شركات أجنبية وهي تعرف مصدر الانتاج. وفي كل سنة يغادر اسرائيل حوالي نصف
السكان (3.8 مليون نسمة في سنة 2005) للاستجمام في الخارج، وهؤلاء لا يريدون أن
يعكر شيء صفو متعتهم ويخشون من أن تؤدي الحرب الى اتساع الارهاب الدولي ليلاحق
الاسرائيليين في الخارج، علما بأنهم يستجمون ليس فقط في الولايات المتحدة وأوروبا
الغربية التي تعتبر آمنة، بل يسافرون الى تركيا والى دول آسيا وأمريكيا اللاتينية
وأفريقيا، والى سيناء المصرية والبتراء الأردنية.
وهذا اضافة الى أهمية السياحة الداخلية في اسرائيل نفسها، الآخذة في التطور
والازدهار هي الأخرى. فأماكن اللهو والمطاعم والفنادق والفنيدقات البيتية في الشمال
وفي الجنوب ملأى بالمستجمين في معظم أيام السنة. والحياة الثقافية غنية للغاية. ففي
اسرائيل يوجد 118 فرقة مسرح محترف وحوالي 300 فرقة موسيقية شبابية و12 أوركسترا و25
فرقة رقص و3 فرق أوبرا ويطبع في السنة 3000 كتاب جديد منها 2350 بالعبرية (البقية
بالروسية والعربية والأمهرية والانجليزية والألمانية والفرنسية والاسبانية وغيرها)
وتقام في السنة حوالي 5000 ندوة ثقافية وسياسية و400 معرض رسوم. وفي اسرائيل 450
حديقة قومية ومئات النوادي الليلية وعشرات ألوف المطاعم والمقاهي.
كل
هذه اشارات على نوعية حياة تتناقض موضوعيا مع حالة الحرب وتخلق من ذاتها دينامية
العداء للحرب والتوجه للاعتدال والنزوع عن التطرف بكل أشكاله وانحسار قوى اليمين
وتعزيز الرغبة في السلام. فكم بالحري عندما تتولد قناعة في صفوف الجماهير بأن
الحكومة لا تقول الحقيقة للناس. على سبيل المثال، فقد اقتنع الجمهور الاسرائيلي
بالحملة التضليلية المسعورة التي أدارها رئيس الوزراء أرئيل شارون، في سنة 2001
فصاعدا بان الرئيس الفلسطيني المرحوم، ياسر عرفات لا يريد السلام مع اسرائيل وانه
قد أشعل الانتفاضة لأنه يريد أن يتهرب من مسألة انهاء الصراع. لذلك وافقوا على
الافتراء بأنه لا يوجد شريك فلسطيني لعملية السلام. وتحمسوا لفرض العزلة عليه.
وارتفعت نسبة المطالبين في حينه بقتله أو باعتقاله. ولولا أن شارون كان قد قطع وعدا
للرئيس بوش بأن لا يقدم على مغامرة كهذه لكان من غير المستبعد أن ينفذ جريمة كهذه
وسط تأييد الجمهور الاسرائيلي بغالبييته. ولكن عندما حل الأخ محمود عباس (أبو مازن)
محل الرئيس عرفات، لم يعد بالإمكان التعامل معه على انه عدو. وحاول شارون ومن بعده
أولمرت الادعاء بانه لا يوجد شريك فلسطيني لاسرائيل في عملية السلام، حتى بوجود أبو
مازن، إلا ان الفرية لم تنطل هذه المرة على الجمهور الاسرائيلي. وحتى عندما أدت
الانتخابات الفلسطينية الديمقراطية الى فوز "حماس" وهذا أدى الى مقاطعة دولية
للحكومة الفلسطينية ودوائرها وتم تجميد العديد من مشاريعها، فإن الحكومة
الاسرائيلية لا تستسهل مقاطعة أبو مازن وتمتثل للمطلب الأميريكي بأن تفاوضه وتنسق
معه كل خطوة.
وحسب استطلاع الرأي الذي أجراه معهد علمي متخصص، بناء على طلب مجموعة "مبادرة جنيف"
بقيادة يوسي بيلين، ونشر في 30 أيار 2006 فإن 68% من الاسرائيليين قالوا انهم يرون
في ابو مازن شريكا لعملية السلام وقال 59% انهم يؤيدون اجراء مفاوضات مباشرة بين
حكومة اسرائيل وبين السلطة الفلسطينية حول التسوية الدائمة.
فالمواطنون الإسرائيليون إذن يريدون دفع عملية السلام.
ولكي تكون الأمور واضحة بلا لبس أو تشويه، فإن الاسرائيليين عموما مستعدون للدخول
في حرب والتضحية بالأرواح إذا شعروا ان هذه الحرب لا بد منها وانها حرب دفاعية عن
الوجود. ولكنهم وقد اقتنعوا بأن الحرب غير ضرورية وأن الفلسطينيين لا يهددون وجودهم
، فأصبحوا معنيين بالتسوية، ومقتنعين بضرورة محاولة التوصل اليها بإخلاص. ومما لا
شك فيه أن الخطاب السياسي المميز والمثابر للرئيس أبو مازن والعديد من الناطقين
الفلسطينيين أمثاله، ساهم كثيرا في ترسيخ هذه القناعات لدى الاسرائيليين.
لقد اهتزت مصداقية الإدعاء بأن الحرب ضرورية خلال الدورة السابقة للحكومة. وشعر
شارون ومساعدوه بذلك . وفي حينه كان شارون يجري ثلاثة استطلاعات رأي في الأسبوع، كل
استطلاع من شركة أخرى، لقياس النبض الجماهيري في كل القضايا المطروحة على بساط
البحث الجماهيري، في السياسة وفي الاقتصاد وفي القضايا الاجتماعية والدينية، فدلت
جميعها على ان الجمهور الاسرائيلي يريد احداث انعطاف في السياسة الحكومية في كل
المجالات. فهو يريد حكومة لبرالية وليس يمينية متطرفة. وهو يريد حكومة
سلام لا حكومة حرب. وهو يريد انسحابا من المناطق
الفلسطينية المحتلة وازالة مستعمرات وليس تكريس الاحتلال وتوسيع المستوطنات.
عندما قرأ شارون وطاقم مساعديه ومستشاريه هذه النتائج وشعروا ان المجلس المركزي
الذي يقود حزب الليكود الحاكم لا يريد التجاوب مع لغة الشارع ويتمسك بسياسة
دوغماتية متعصبة قد تؤدي الى خسارته الحكم، نشأت لديهم فكرة تأسيس حزب جديد لبرالي،
هو حزب "قديما" (وتعني بالعربية "قدما الى الأمام"). وجاءت خطة الفصل لتدل على ان
الحكومة تتقدم الى الأمام في التخلص من الاحتلال ومستعدة لازالة مستعمرات يهودية
ليس فقط في قطاع غزة بل الضفة الغربية، وازالة مستوطنات كانت بمثابة بقرة مقدسة في
اسرائيل. لكن شارون، أبا المشروع الاستيطاني الواسع في الضفة الغربية والقطاع، ذبح
بيديه هذه البقرة، وبذلك فتح الطريق أمام الحديث بسهولة عن ازالة عشرات المستعمرات
في الضفة الغربية.
ولأن الاسرائيليين تحمسوا لهذه الأفكار ووجدوها معبرة عن رغباتهم، فقد صوتوا لحزب
"قديما" بهذه الكمية غير المسبوقة من الأصوات، رغم ان شارون، الرجل القوي والمؤسس،
قد غاب عن الوعي واختفى من الحياة السياسية. وحسب استطلاع رأي أجراه معهد "داحف"
برئاسة مينا تسيمح لصحيفة "يديعوت أحرونوت" ونشر بعد يومين من الانتخاابات
الاسرائيلية الأخيرة (30 آذار 2006)، فإنه لو ظل شارون على رأس "قديما" لكان الحزب
حصل على 44 مقعدا وليس 29 مقعدا فقط في الكنيست. ومع ذلك فإن فوز أولمرت كان كبيرا
جدا نسبيا.
فإذا اردنا ترجمة نتائج هذه الانتخابات الى لغة السياسة فإننا نقرأ فيها عدة اشارات
جديدة ومهمة تعكس التغيير الحاصل في المجتمع الاسرائيلي على النحو التالي:
·
أولا:
اسرائيل بدأت تبتعد بخطوات كبيرة عن التطرف اليميني وتتجه نحو اللبرالية الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية. فاليمين تلقى ضربة كبيرة في هذه الانتخابات. الليكود الذي
حصل على 38 مقعدا في انتخابات العام 2003 ارتفعت الى 40 مقعدا اثر انضمام حزب
اليهود الروس "يسرائيل بعلياه" برئاسة نتان شيرانسكي اليه، هبط الى 12 مقعدا.
وأحزاب اليمين عموما فقدت أكثريتها في الكنيست، فبينما فازت في انتخابات العام 2003
ب 69 مقعدا (الليكود ويسرائيل بعلياه 40 مقعدا والاتحاد القومي اليميني المتطرف 7
مقاعد والمفدال 6 وشاس 11 مقعدا ويهدوت هتوراة 5) ، هبطت قوة أحزاب اليمين في
الانتخابات الأخيرة الى 49 مقعدا فقط (تحالف حزبي الاتحاد القومي والمفدال 9 مقاعد،
الليكود 12 وشاس 11 واسرائيل بيتنا لليهود الروس برئاسة أفيغدور لبرمن 11 ويهدوت
هتوراة 6 ). بالمقابل سيطرت قوة الأحزاب اللبرالية ("قديما" 29 مقعدا، العمل 19
وحزب المتقاعدين 7) واليسار (ميرتس 5 مقاعد) والأحزاب العربية (10 مقاعد).
·
وثانيا:
هناك تعبير سياسي واضح لهذا التغيير الحزبي. إذ انه لأول مرة في اسرائيل منذ سنة
1967 توجد أكثرية ليس لتكريس الاحتلال بل للتخلص منه. ففي هذه الدورة يوجد ما لا
يقل عن 90 نائبا (من مجموع 120 نائبا في الكنيست) ، أي ما يعادل ثلاثة أرباع النواب
الاسرائيليين، يعترفون اليوم بأن الاحتلال الاسرائيلي الى الأراضي العربية
الفلسطينية قد فشل ولا بد من التخلص منه، يفضل أن يتم ذلك بالاتفاق مع الفلسطينيين
وإلا فستنفذه اسرائيل بخطوات أحادية الجانب. هؤلاء النواب التسعون هم نواب "قديما"
والعمل والمتقاعدون وميرتس والاحزاب العربية وبعض نواب أحزاب اليمين.
·
الأكثرية
الساحقة من النواب الذين تم انتخابهم في الانتخابات الحالية، حوالي 70 نائبا (أعضاء
الكنيست من "قديما" – 29 وأعضاء الكنيست من حزب العمل – 19 ونواب حزب المتقاعدين –
7 ونواب حزب ميرتس اليساري ونواب الأحزاب العربية – 15 )، يعترفون بأن مشروع
الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية المحتلة قد فشل، ولا بد من هدم وازالة عشرات
المستوطنات اليهودية فيها، علما بأن خطة أولمرت تتحدث عن ازالة ما لا يقل عن
130 مستوطنة ومنطرة في الضفة واخلاء 70 – 80 ألف مستوطن. لكن هناك نوابا من اليمين
أيضا ، إن كان ذلك بالنسبة لنواب حزب شاس لليهود الشرقيين المتدينين المشارك في
الائتلاف الحكومي أو من أحزاب في المعارضة مثل "يهدوت هتوراة"(الذي ما زال يفاوض
على الانضمام للائتلاف) أو الليكود و"اسرائيل بيتنا" برئاسة افيغدور لبرمن
المعارضين. فهؤلاء بمعظمهم يؤيدون هذا التوجه بشكل مبدئي لكنهم يريدون انسحابا من
مناطق أقل مساحة ويريدون أن يتم الانسحاب ضمن اتفاق مع الفلسطينيين وليس من دون
ثمن.
·
على الرغم من
أن الحكومة لا تأخذ الطرف الفلسطيني بالاعتبار كشريك في كل ما تطرحه، إلا ان هذه
المواقف تدل على تغيير حقيقي نلمسه في العديد من الاجراءات العملية (خطة أولمرت
للانسحاب من الضفة الغربية والتفاهم مع الولايات المتحدة حول سبل تطبيقها بشكل عملي
واعطاء الأوامر للجيش من أجل وضع تصوراته للانسحاب المدني والعسكري من تلك المناطق
واعلان انتهاء الاحتلال لها بشكل نهائي). فهي ليست مجرد اعلان نوايا غير ملزمة، بل
هي قناعة واضحة نرى كيف تترجم الى برامج عمل وكيف يبحثون عن دينامية لتطبيقها.
خطة أولمرت
خطة ايهود
أولمرت، المعروفة باسم "خطة التجميع"، ما زالت عبارة عن مجموعة أفكار غير مرتبة.
وما تم ترتيبه منها وطرح كمجموعة مباديء على الإدارة الأميريكية، أعيد الى اسرائيل
لكي تعيد ترتيبه، لأن واشنطن اعترضت على عدد من بنوده وطلبت تغييرها. وقد وافق
أولمرت خلال زيارته الأخيرة على التغيير. على سبيل المثال، رفض الأميريكيون أن يكون
الانسحاب الاسرائيلي من الضفة الغربية مقصورا على المستوطنين والمستوطنات وطلبوا أن
ينسحب الجيش الاسرائيلي أيضا من تلك المناطق، بحيث لا يبقى أي اسرائيلي في المناطق
التي سيتم الانسحاب منها. كما أصر الأميريكيون على ان يتم تنفيذ الخطة بالتنسيق مع
الجانب الفلسطيني. وطالبوا بأن يكون الانسحاب من أوسع منطقة في الضفة الغربية. وأن
لا تسمي اسرائيل الحدود التي تنسحب اليها حدودا دائمة باعتبار ان الحدود الدائمة لا
ترسم الا بموافقة الطرفين، الاسرائيلي والفلسطيني.
وهكذا، فإن
الخطة ليست جاهزة بعد. وسيبدأ العمل على بلورتها بالصيغة النهائية في لقاءات ما بين
مسؤولين أميريكيين واسرائيليين، وفي مرحلة معينة سينضم الأروروبيون والمصريون
والأردنيون وربما أوساط عربية أخرى الى المشاورات. وسيتم طرح الموضوع في عدة لقاءات
مع ممثلي السلطة الفلسطينية أيضا. وعليه فإن ما نشر عن هذه الخطة ليس نهائيا. ومع
ذلك، فإن بالإمكان تلخيص ما نشر عنها على النحو التالي:
·
الاسم
: تدعى خطة التجميع. وكلمة تجميع هي الترجمة الحرفية لكلمة "هتكنسوت" (התכנסות)
باللغة العبرية. والمقصود بذلك هو تجميع المستوطنين اليهود المنتشرين في المستوطنات
القائمة في قلب الضفة الغربية ونقلهم للسكنى في المستوطنات القائمة داخل الكتل
الاستيطانية المنتشرة على مناطق قريبة أكثر على حدود ما قبل العام 1967. أقرب
الكلمات العربية ملاءمة لهذا المعنى هي : "ضبضبة" أو "انطواء" أو "لملمة". ولكن
استخدام هذه الكلمة بالذات لم يتم بهدف التعبير الحقيقي عن جوهر الخطة ، بل انه جاء
بهدف اخفاء الهدف الحقيقي منها. والتعبير الأدق والأقرب الى مضمون هذه الخطة هو:
"الانسحاب الكبير من الضفة الغربية" أو "تقليص الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية"
او "انسحاب مرحلي" أو بداية مشروع انهاء
الاحتلال الاسرائيلي.
فالحكومة الاسرائيلية تعرف ان هذا الانسحاب هو خطوة في طريق لا رجعة فيه لانهاء
الاحتلال.
·
الهدف
: الهدف المعلن لهذه الخطة هو الانفصال التام عن الفلسطينيين وجعل اسرائيل دولة ذات
أكثرية سكانية يهودية مضمونة لعشرات السنين في المستقبل. فحول هذا التفسير فقط يمكن
تجنيد أكثرية جماهيرية في اسرائيل، لأن هناك قلقا حقيقيا، ليس فقط لدى المسؤولين بل
بالأساس لدى المواطنين الاسرائيليين العاديين من استمرار الارتباط مع الفلسطينيين
ومن فقدان الأكثرية السكانية اليهودية في المنطقة. في الماضي كان الاسرائيليون
يفكرون بحلول أخرى لهذه المعضلة، ولم يفكروا فقط بل وضعوا عدة مشاريع ونفذوا العديد
منها، مثل: الترحيل، التهجيج (أي تيئيس الناس حتى رحلوا لوحدهم)، التطهير العرقي،
جلب اليهود من الخارج، تشجيع هجرة العرب وغير ذلك. فقد اشتهرت خطة كان قد كشفها
الجنرال أهرون يريف، وهو رئيس سابق لشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش
الاسرائيلي، سنة 1973 تبين منها ان الجيش الاسرائيلي أعد لترحيل ما يعادل 600 – 700
ألف فلسطيني من الضفة الغربية والجليل في أقرب حرب تنشب مع العرب. والجديد في خطة
أولمرت انها تفتش عن طرق أخرى لتحقيق الهدف نفسه، يهودية اسرائيل وانفصالها عن أكبر
عدد من الفلسطينيين. والمعروف ان عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية يبلغ
اليوم حوالي 400 ألف مستوطن، 150 ألفا منهم في القدس الشرقية وضواحيها و250 ألفا
منهم في المستوطنات الأخرى. وحسب التقديرات التي تسمع في مكتب أولمرت فإن هدف خطة
التجميع هو نقل 80 – 90 ألف مستوطن من الضفة الغربية الى التكتلات الاستيطانية
الكبرى ، لكن هذا العدد قد يهبط أو يرتفع حسب المفاوضات التي تجريها الحكومة
الاسرائيلية مع المستوطنين ومع الأميريكيين.
·
الحدود:
الجدار العازل الذي قامت اسرائيل ببناء حوالي نصف المخطط له وما زالت تبني، سيكون
الحدود الاسرائيلية من جهة وحدود السلطة الفلسطينية من جهة أخرى. وسيكون بالامكان
تعديل مسار هذا الجدار حسب مصلحة "خطة التجميع"، وقد يكون هذا التعديل في احدى
المناطق الى الغرب بحيث يتم توسيع المنطقة الفلسطينية وقد يكون لجهة الشرق أيضا، أي
لصالح توسيع المنطقة الاسرائيلية.
·
مساحة الانسحاب
والمستوطنات المنوي اخلاؤها:
هذه هي القضية الأساس التي لم يتم البت فيها بعد. رئيس الوزراء، ايهود أولمرت، قال
انه شخصيا يعرف بالضبط ما هي الحدود التي يريد الانسحاب اليها، لكنه رفض الاعلان عن
ذلك حتى لا يسبب حرجا للشركاء الآخرين في الموضوع ويقصد الأميريكيين. لكن مما نشر
عن الموضوع حتى الآن نفهم ان اسرائيل تخطط انسحابا يتراوح ما بين 91% و93% من
مساحة الضفة الغربية في الحد الأعلى و55% - 60% في الحد الأدنى. وفي الحالتين لا
يشمل هذا الحساب الجزء المحتل من القدس العربية الشرقية. ومساحة الأرض التي سيتم
الانسحاب منها تتوقف على موقف الجيش الاسرائيلي واحتياجاته وعلى الموقف الأميريكي
وأيضا على الموقف الفلسطيني بشكل أو بآخر، وسنبين ذلك لاحقا. ويبني أولمرت موقفه في
هذه الناحية على الاحتفاظ بما يسمى الكتل الاستيطانية الثماني الكبرى وعلى القدس
الشرقية.
والكتل الثماني الكبرى هي أيضا غير محددة المعالم وتنطوي على شيء من التضليل. فحسب
احدى الخرائط التي وقعت في أيدينا نجد أن هناك اكثر بكثير من 8 كتل استيطانية في
الضفة الغربية . فإذا أخذناها مثلا نجدها موزعة على النحو التالي:
-
غور الأردن:
ويضم مجموعة كبيرة من المستوطنات تمتد على طول الضفة الغربية من نهر الأردن، في
السهول (الأغوار) وعلى التلال المطلة عليها. هذه المستوطنات جميعها لا يسكنها سوى
2000 مستوطن، وتعاني أزمة اقتصادية شديدة، ويتركها المستوطنون ولا يستطيعون بيع
البيوت التي يسكنونها أو الحقول التي يفلحونها أو كانوا يفلحونها، والحديث عن ضمها
الى اسرائيل لا يبشر المستوطنين بأنها ستزداد قيمة. وهناك نقاش حول مساحتها، إذ ان
رئيس الحكومة السابق أرئيل شارون كان يتحدث عن ضم الجبال والتلال المطلة عليها، وهي
تعادل 28% من مساحة الضفة الغربية، فيما يتوقع ان ينسحب أولمرت من التلال والجبال
إذا توفرت "ترتيبات أمنية مناسبة".
-
غوش عتصيون:
وهي المستوطنات القائمة في المنطقة الغربية الجنوبية من بيت لحم، وتعتبر من أقدم
المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية. وقد تم تخطيط الجدار العازل ليشمل هذه
المستوطنات وبعض القرى الفلسطينية المتداخلة فيها مثل حوسان.
-
غوش أرئيل:
وهي مجموعة مستعمرات تمتد في عمق الضفة الغربية بمسافة 25 كيلومترا، جنوبي خط العرض
الواصل بين نابلس وقلقيلية. والمعروف ان رئيس الولايات المتحدة، جورج بوش، عندما
سلم رئيس الوزراء، شارون، كتاب ضمانات في سنة 2004 يتعهد فيه بدعم الموقف
الاسرائيلي حول ضم الكتل الاستيطانية الكبرى، رفض أن يشمل هذا التعهد الكتلة
الاستيطانية في أرئيل. والسبب انها تقع في عمق الضفة الغربية. كما رفض أن يشملها
الجدار العازل. لذلك تقرر احاطة المدينة الاستيطانية الكبيرة، أرئيل (35 ألف نسمة)
بجدار خاص لا يكون مربوطا بالجدار العازل الكبير. ومع ذلك فإن أولمرت أعلن صراحة ان
التكتل الاستيطاني في أرئيل سيبقى ضمن الحدود الاسرائيلية بعد خطة التجميع. وهي
تشهد حملة بناء غير مسبوقة لتوسيعها.
-
معاليه أدوميم:
وهي أكبر المدن الاستيطانية في الضفة الغربية وتقع شرقي القدس الشرقية على الجبل
المطل على طريق أريحا. عدد المستوطنين فيها يزيد عن 40 ألف نسمة. وهي مثل أرئيل
تشهد حملة بناء واسعة ويتم تجنيد المستوطنين فيها بمغريات مذهلة تجعل ثمن الفيللا
فيها نصف ثمن فيللا بالحجم نفسه في البلدات الاسرائيلية العادية وثلث ثمن الفيللات
في المدن الكبرى.
-
جنوبي الخليل:
هنا أيضا توجد مجموعة كبيرة من المستوطنات الواقعة على الحدود الجنوبية للضفة
الغربية، معظمها واقعة على الحدود ولذلك سيتم ضمها الى الجدار ولكن فيها أيضا عددا
من المستوطنات التي تتداخل مع البلدات الفلسطينية والتي سيؤدي ضمها الى اشكاليات مع
القضاء الاسرائيلي نفسه ومع الغرب.
-
منطقة رام الله:
هنا يجري الحديث بالأساس عن مستعمرات بيت ايل وعوفرة وبسجات زئيف، وهي متداخلة مع
البلدات الفلسطينية المجاورة وضمها يعني تقليص الانسحاب الاسرائيلي من الضفة. لكن
أولمرت تعهد بابقائها ضمن الجدار، ولا يعرف بعد كيف سيتم هذا الأمر من الناحية
التنفيذية لأنه سيعني ضم بلدات فلسطينية أيضا الى اسرائيل.
-
جبعات زئيف:
التكتل الاستيطاني هنا يشمل عددا قليلا من المستوطنات لكن موقعها مهم لأنه يعني
توسيع القدس من الجهة الشمالية الغربية. ويريد أولمرت أكبر عدد من المستوطنات
والأراضي هنا لكي يسيطر على الهضاب التي تطل على مطار اللد، بدعوى انه منطقة
استراتيجية لا يجوز أن يكون تحت طائلة يد الفلسطينيين. والحديث عن هذه المستعمرة
يشمل أيضا الشارع المعروف برقمه (443) والذي يقوم بمعظمه في أراضي الضفة الغربية
وتحيط به القرى الفلسطينية على الجانبين في بعض المناطق (قرب حورون وخربتا وبيت عور
الفوقا وبيت عور التحتا والطيرة وغيرها).
-
محيط المطار:
وهي المنطقة الواقعة في وسط الطريق بين رنتيس ونابلس، وتضم المستوطنات "عيلي"
و"أريه" و"عوفريم" و"فدوئيل" وغيرها. تعتبر قليلة العدد من ناحية السكان لكنها تضم
مساحات واسعة.
الى جانب كل هذه الكتل تضاف القدس الشرقية التي كانت اسرائيل قد ضمتها الى حدودها
في العام 1967، فور احتلالها. لكن خطة أولمرت تتحدث لأول مرة عن الانسحاب من عدد من
أحيائها لتصبح جزءا من المنطقة الفلسطينية مثل حي الرام أو كفر عقب أو بيرنيبالا
وضاحية البريد وغيرها. كما هناك تكتلات استيطانية صغيرة لا تحسب في اسرائيل لكنها
ضمت الى تخومها في اطار بناء الجدار. من هذه المستوطنات، شكيد وريحان وحينانيت قرب
جنين وألفي منشيه وكرني شومرون وسلعيت شمالي قلقيلية وألقنا وعيتس أفرايم جنوبي
قلقيلية وغيرها.
لكن، كما أشرنا، فإن كل هذا التقسيم قابل للتغيير والتبديل، إذ انه خاضع لحسابات
العديد من القوى والمؤسسات. فللجيش توجد كلمة لم تسمع بعد بوضوح، وللمستوطنين توجد
كلمة، سيحاولون من خلالها ابطال المشروع كله فإن لم ينجحوا فسيدخلوا في مماحكات
لتقليص مساحة الانسحاب الى أدنى حد ممكن، وللأميريكيين وللأوروبيين كلمة، حيث
سيحاولون توسيع مساحة الانسحاب الى أقصى حد ممكن.
العقبات أمام خطة
أولمرت
العديد من العقبات تواجه خطة أولمرت هذه على جميع الصعد والمجالات. سنحاول فيما يلي
تلخيصها:
·
الحكومة: في
الحكومة الاسرائيلية الحالية هناك حزب رئيسي هو حزب العمل يتحفظ من خطة التجميع
وطالب بأن تكون خيارا ثانيا وليس أولا. والمقصود انه يريد أن تستنفذ عملية التفاوض
مع السلطة الفلسطينية وتحديدا مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن) ومنظمة
التحرير الفلسطينية، وفقط في حالة فشل هذه المفاوضات سيوافق على التوجه الى خطة
التجميع. وحزب العمل لا يعمل وحده في هذا التوجه. فهو يستند أيضا الى الموقف
الأوروبي، الذي لا يتحمس للخطة ويفضل المفاوضات المباشرة، والى الموقف الأميريكي
الذي يسعى لتغيير خطة التجميع لتكون أقرب ما يكون الى التسوية الدائمة من ناحية
مساحة الانسحاب وعدد المستوطنات التي سيتم اخلاؤها.
·
الجيش
الاسرائيلي والمخابرات: حسب القانون الاسرائيلي فإن الجيش وبقية الدوائر الأمنية
خاضعة لأوامر الحكومة. ولا يحق لها التدخل في قراراتها السياسية. ولكن من الواضح أن
لهذه المؤسسات رأيا حاسما، تقوله في الجلسات المغلقة وتعرف كيف تسربه الى الخارج
عبر الصحافة وغيرها من القنوات. ومع ان صوت الجيش الاسرائيلي والمخابرات العامة لم
يسمع بعد حول خطة أولمرت، إلا ان العديد من الاشارات تدل على ان هناك معارضة مبدئية
لها. التعبير الأبرز عن هذه المعارضة أسمعه الجنرال غيورا آيلاند في المقابلة
الصحفية مع صحيفة "هآرتس" في 4 حزيران 2006. فقد رأى انها خطة اشكالية للغاية،
وقال: "كلما كان الانسحاب أقرب الى الشرق يكون عدد المستوطنات التي سيتم اخلاؤها
أقل ويكون الصراع الاسرائيلي الداخلي أقل. ولكن في هذه الحالة نخسر التأييد الدولي.
وكلما كان الانسحاب أكثر الى الغرب ستكون هناك شرعية دولية أكبر ولكننا سنواجه أحد
أكبر التحديات لاخلاء 70 ألف مستوطن. فهذا الرقم يبلغ عشرة اضعاف عدد المستوطنين
الذين تم اخلاؤهم من قطاع غزة. كما ان المناطق التي سيتم اخلاؤها تعتبر ذات أهمية
امنية كبرى وذات علاقة تاريخية حميمة لليهود أعمق من العلاقة بالمستوطنات التي تم
اخلاؤها في غزة. بيت ايل وعوفرة وكريات أربع هي جزء من مقدسات اسرائيل. والعملية
العسكرية المطلوبة لإخلائها ستكون معقدة جدا وثمنها المالي سيصل الى حوالي 100
مليار شيكل (22 مليار دولار). أنا لا أقول انها مهمة مستحيلة ولكن إذا لم تدر بشكل
صحيح فإن من شأنها أن تؤدي الى تحطم المجتمع الاسرائيلي". ثم راح يخيف القراء
الاسرائيليين من المستقبل في حالة تطبيق الخطة فقال ان صواريخ قسام ستسقط في القدس
وفي نتانيا وان هناك احتمالا بأن يصل قطار جوي من الأسلحة من ايران الى الضفة لن
تستطيع اسرائيل عمل شيء لوقفه. وقال ان خطة التجميع ستلحق الضرر بمصر والأردن وبأبو
مازن وبالمقابل ستعطي الأكسجين لحركة "حماس".
وراح آيلاند أبعد من
ذلك ليقترح مشروع سلام مثيرا للانتباه، قال انه طرحه في عدة لقاءات مع أوساط عربية
وفلسطينية فاثار اهتماما بالغا لديهم. وملخص هذه الخطة هو: اسرائيل تحتفظ بالقدس
وبخمس (20%) من الضفة الغربية، وتعطى البقية للفلسطينيين ليقيموا عليها دولة. ومن
أجل تعويض الفلسطينيين عن الأراضي التي ستبقى جزءا من اسرائيل تقوم مصر بمنح
الفلسطينيين 600 كيلومتر مربع من شمالي سيناء حتى يستطيعوا توسيع قطاع غزة (البالغة
مساحته حاليا 365 ألف كيلومتر مربع) وتوسيع الضفة الغربية باتجاه الأردن ب 100 ألف
كيلومتر مربع، على أن تقوم اسرائيل بتعويض مصر بوساطة ضم 150 ألف كيلومتر مربع
اليها من النقب ودفع تعويضات مالية لها وللأردن.
·
المستوطنون:
واضح ان جميع المستوطنين اليهود يعارضون خطة التجميع التي طرحها أولمرت، فمن لا
يعارضها من الناحية الأيديولوجية يعارضها لكي يرفع ثمن التعويضات التي يطالبون بها
ويريدون أن تكون عالية جدا، أكثر من التعويضات العالية التي حصل عليها مستوطنو غزة
وبلغت بالمعدل 500 ألف دولار للعائلة الواحدة. وقد بدأت مجموعات من المستوطنين
تستعد من اليوم لمجابهة خطة الفصل الجديدة بالمقاومة. المتطرفون منهم يخططون بكل
جدية للتخريب على تطبيق الخطة بواسطة تنفيذ اعتداءات ارهابية على المواطنين
الفلسطينيين وعلى المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس وغيرها من المناطق
الفلسطينية. والأقل تطرفا يفكرون في سبل مقاومة مسلحة مباشرة مع الشرطة
الاسرائيلية. وهناك قوى أخرى بينهم، مثل مجلس المستوطنات الذي يريد الدخول في
مفاوضات من أجل تضييق مساحة الانسحاب وتحقيق مكاسب من الحكومة بطرق أخرى، مثل
التفاهم على عدد المستوطنات ونوعيتها ومساحات نفوذها وميزانياتها وغير ذلك.
·
التمويل: وفق
الحسابات الأولية فإن تكاليف رسم وتطبيق خطة أولمرت ستبلغ حوالي 100 مليار شيكل (22
مليار دولار). فمن سيمول هذه التكاليف؟ في البداية تحدثوا عن تمويل أميريكي. ولكن
الادارة الأميريكية كانت قد وعدت بتمويل الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان العام
2000 بقيمة 800 مليون دولار، ثم سقط ايهود براك في الانتخابات ولم تدفع واشنطن
مليما واحدا منها. ثم وعدت بتمويل خطة الفصل في قطاع غزة بقيمة مليارين دولار،
فجاءت أعاصير "كاترينا"، فكانت تلك سببا لكي لا تدفع الولايات المتحدة شيئا منها.
واليوم أيضا لا يوجد أي ضمان لأن تدفع أي تعويض لاسرائيل عن انسحابها من الضفة
الغربية. ولذلك فإن التمويل سيكون عقبة جدية.
·
المعارضة
السياسية: اليمين واليسار في اسرائيل يعارضان هذه الخطة. في اليسار يعتبرونها تهربا
من مستلزمات عملية سلام حقيقية دائمة ويفضلون عليها الدخول فورا في مفاوضات حول
التسوية النهائية. لكن اليسار يعلن في الوقت نفسه انه في حالة طرح المشروع على
التصويت فلن يصوتوا ضده بل قد يصوتون معه لأنهم ليسوا مستعدين للوقوف ضد أي انسحاب
من الأراضي الفلسطينية المحتلة وازالة مستوطنات. أما في اليمين فبالاضافة الى حجتهم
الأساسية وهي ان هذه أرض يهودية لا يجوز التفريط بها للفلسطينيين، فإنهم يقولون ان
هذه الخطة لن تعود بأية فائدة على اسرائيل. بل بالعكس فإنها تضر بمصالحها الوطنية
والأمنية. فإذا انسحبت اسرائيل الى ما وراء الجدار فإن الفلسطينيين سيطلقون
الصواريخ من بلداتهم باتجاه المدن الاسرائيلية في وسط البلاد (كفار سابا ورعنانا
ونتانيا) وباتجاه السيارات المارة في شارع عابر اسرائيل، الذي يعتبر أكبر وأطول
وأحدث شارع في اسرائيل وباتجاه مطار اللد، والمناطق التي تنسحب منها اسرائيل ستصبح
بيد "حماس" ويتم تصعيد الارهاب ضد اسرائيل. وكما قال بنيامين نتنياهو، رئيس الليكود
في المعركة الانتخابية، فإن الجهة الوحيدة التي ستفيد من خطة أولمرت هي حركة
"حماس"، لأنها ستظهر أمام الشعب الفلسطيني وكأنها حققت انتصارا بانسحاب اسرائيل من
مناطق جديدة في الضفة الغربية من دون أدنى ثمن.
·
الجمهور: على
الرغم من ان أولمرت طرح قضية خطة التجميع ضمن برنامجه الانتخابي وبامكانه القول ان
الشعب أيد خطته، إلا ان موقف الجمهور يفهم بشكل آخر. ففي استطلاع رأي أجراه حزب
"قديما" نفسه ونشرت نتائجه في موقع هذا الحزب في الانترنيت (7 حزيران 2006)، قال
33% فقط من المستطلعة آراؤهم انهم يؤيدون تنفيذ هذه الخطة فورا، فيما قال 37% انه
يجب اعادة النظر فيها على ضوء الاعتراضات الأميريكية وقال 20% انه يجب الغاؤها.
وكان استطلاع الرأي الذي أجرته مجموعة "مبادرة جنيف" قد أشار الى ان 28% فقط من
الاسرائيليين يؤيدون هذه الخطة. وفي آخر استطلاع رأي بهذا الخصوص أجرته جامعة تل
أبيب ونشر في يوم الجمعة 9 حزيران 2006 في صحيفة "هآرتس"، جاء أن 56% من الجمهور
يرفض هذه الخطة وفقط 37% يؤيدونها.
الموقف الأميريكي
والأوروبي
كان من المفروض ان تكون الادارة الأميريكية أول من يعارض خطة أولمرت هذه، لأنها
ببساطة تهمش المشروع الأميريكي للتسوية المعروف باسم "خريطة الطريق". إلا اننا
لاحظنا ان الادارة لم تعارض الخطة مبدئيا بل وافقت على التعاطي معها لكنها اشترطت
اجراء تعديلات جدية عليها واتفقت مع اولمرت على ان تعاد صياغتها من جديد لتصبح
عمليا خطة اسرائيلية – أميريكية وتكون بمثابة خطوة على طريق التقدم نحو "خريطة
الطريق".
قد
يظهر من هذا ان الادارة الأميريكية خاضعة لتأثير اسرائيل. فهذا هو الرأي السائد
عادة خصوصا في عالمنا العربي. لكن الحقيقة هي عكس ذلك. فالولايات المتحدة ما زالت
سيدة الموقف بالنسبة للتأثير على اسرائيل. وموقفها مبني أولا وقبل كل شيء على أساس
المصالح الأميريكية. فهذه المصالح أهم من اسرائيل. وما يحدث هو أن اسرائيل هي التي
تلائم مواقفها مع المصالح الأميريكية.
فقد قال أولمرت للرئيس جورج بوش، لدى لقائه به في البيت الأبيض يوم الثلاثاء، 30
أيار 2006، ان أحد أهم أسباب لجوئه الى خطة التجميع هو المصير الذي آلت اليه "خريطة
الطريق". فالفلسطينيون لم ينفذوا بنود المرحلة الأولى منها، وهي وقف الارهاب والعنف
وتفكيك التنظيمات المسلحة وجمع الأسلحة غير الشرعية من المواطنين ولا يبدو انهم
سينفذون هذه المرحلة في هذه الفترة بسبب خلافاتهم الداخلية وضعف أبو مازن وسياسة
حكومة "حماس" الرفضية، بينما اسرائيل من جهتها، فعلت أكثر مما هو مطلوب منها.
وانسحبت من قطاع غزة وأزالت مستوطنات ودخلت في صراعات وتمزق داخليين شديدين في سبيل
هذه القضية.
وأوضح اولمرت تلك النظرية القائلة بأن الطرفين، الاسرائيلي والفلسطيني، لما ينضجا
بعد لدرجة القبول بتسوية، فلا الاسرائيليون يستطيعون التعايش مع انسحاب شامل من
جميع الأراضي التي احتلت العام 1967 أو مع عودة لاجئين، ولا الفلسطينيون يستطيعون
التقدم نحو تسوية تنهي الصراع من دون الحصول على أراضي 1967 كاملة وايجاد حل عادل
لقضية اللاجئين.
الادارة الأميريكية من جانبها تتفق مع اسرائيل مبدئيا في هذا التحليل. وهي عموما
تثق بالمعلومات والتحليلات الاسرائيلية، خصوصا ازاء ما يجري في العالم العربي
والسلطة الفلسطينية. مستوى هذه الثقة زاد كثيرا في الفترة منذ 11 سبتمبر 2003
(التفجيرات الارهابية في نيويورك وواشنطن)، حيث ثبت لها ان المخابرات الاسرائيلية
هي صاحب أحد أكبر وأدق مخازن المعلومات عن التنظيمات المسلحة والحركات الأصولية
والنشاطات الارهابية في العالم. وهي تعتبرها أحد أهم أذرعها السياسية والعسكرية في
الشرق الأوسط. المستور في العلاقات بينهما أكبر بكثير من المعلوم، لكن يكفي ان نقف
للحظة عند خطوة مثل القيام بتفجير الفرن الذري العراقي سنة 1981 لنفهم عمق هذه
العلاقات. فاليوم أصبح واضحا ان اسرائيل قامت بتفجير الفرن الذري بالتنسيق التام مع
واشنطن وفي الولايات المتحدة نشرت مؤخرا معلومات عن هذا التنسيق تدل على مدى
التقدير الذي تكنه الولايات المتحدة اليوم لاسرائيل بسبب هذه العملية، فتقول :
"تصوروا لو ان صدام حسين كان يملك فرنا ذريا عندما هاجمته الولايات المتحدة، كيف
كان عالمنا سيبدو". وهي اليوم، أي اسرائيل، تحتل موقعا مؤثرا في الأبحاث الجارية
حول الموضوع الايراني.
فلا يوجد في العالم كله دولة واحدة مثل اسرائيل مستعدة لخوض حرب والتضحية بأبنائها
فيها لخدمة مصالح خارجية، أميريكية في هذه الحالة. لذلك فإن ما يجعل مكانة اسرائيل
عالية الى هذا الحد في واشنطن ليس اللوبي اليهودي على أهميته التي لا نستخف به، بل
الدور الاسرائيلي المميز في خدمة المصالح الأميريكية.
من
هنا فإن المقياس الأميريكي أيضا لخطة أولمرت مبني على المصالح الأميريكية أولا. وما
يجري حاليا في أروقة مكاتب أولمرت هو تفصيل هذه الخطة وفق مقياس المصالح
الأميريكية، التي لا تنظر الى الموضوع فقط من باب الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني،
بل تحسبه وفق مجمل الصراعات في المنطقة. فيدخل فيه حساب الوضع في العراق والصراع مع
ايران وحساب حالة الأنظمة العربية المحيطة باسرائيل ومدى قوتها في مواجهة المعارضة
الاسلامية الأصولية. فعندما يقال مثلا ان خطة أولمرت تؤدي الى تقوية "حماس" في
فلسطين وحزب الله في لبنان والاخوان المسلمين في مصر والأردن، فإن الأمر يثير يقظة
الأميريكيين ويبدأون التفتيش عن طرق لمنع ذلك. ولهذا فقد رأينا الادارة الأميريكية
تصغي للقيادتين الأردنية والمصرية اللتين أبديتا تحفظا شديدا جدا من خطة أولمرت، بل
ان الأردن اعترضت على هذه الخطة علنا (الملك عبدالله أجرى مقابلة خاصة مع صحيفة
"يديعوت أحرونوت" في 7 حزيران 2006 قال فيها بوضوح انها تهدد أمن دول المنطقة).
وللسبب نفسه رأينا كيف سارع أولمرت لزيارة مصر والأردن، فور عودته من زيارة
الولايات المتحدة، محاولا اقناع الرئيس حسني مبارك والملك عبدالله بخطته وطمأنتهما
بأنها لن تمس بدولتيهما ومبديا استعداده للتباحث معهما في السبل لجعلها خطة ملائمة
لمصالح الجميع.
ومما لا شك فيه ان الادارة الأميريكية تتابع هذا الموضوع عن كثب وستبني موقفها
النهائي من الخطة وبنودها وفقا لما تسفر عليه الاتصالات والحوارات مع كل الأطراف.
وستقوم بتعديل المزيد من بنود هذه الخطة إذا رأت حاجة بذلك.
أما في أوروبا فإن الموقف في الاعتراض على خطة أولمرت أوضح من موقف واشنطن.
فالأوروبيون كانوا باستمرار أقل انسجاما من الأميريكيين مع المواقف الاسرائيلية.
إلا ان علينا ان ندرك أن تغيرات كثيرة جرت على أوروبا في السنتين الأخيرتين، منذ
العمليات الارهابية في بريطانيا واسبانيا وانفجار "الانتفاضة" في باريس والهبة
الأخيرة في العالمين العربي والاسلامي (بما في ذلك في بلادنا، خصوصا في قطاع غزة
حيث تم خطف أجانب وتكسير مقرات دبلوماسية على هذه الخلفية) احتجاجا على
الكاريكاتيرات التي نشرت في صحف الدانمارك ثم ايطاليا واسبانيا وفرنسا وصورت فيها
الرسول العربي الكريم (صلعم). فقد أثارت هذه الأحداث مخاوف حقيقية لدى الأوروبيين
وبدأوا يعدون العدة لمنع انفجار انتفاضات شعبية للمواطنين المسلمين والعرب داخل
بلدانها. فلا يوجد بلد أوروبي واحد يخلو من عرب ومسلمين.
وكالعادة، فقد تبرعت اسرائيل بتقديم معلومات قيمة للأوروبيين عن الحركات السياسية
الفاعلة بين تلك الجماهير وعرضت خبراتها لمساعدة تلك الدول في مواجهة الموقف، مما
جعل اسرائيل قريبة أكثر ومتناسقة أكثر وقبولة بشكل أكبر. وهي تقول للأوروبيين : ما
يحدث في المناطق الفلسطينية يعكس أثره على الأوروبيين مباشرة، فإذا بدأ الفلسطينيون
تنفيذ عمليات تفجير انتحارية ضد اسرائيل فإن العمليات الانتحارية ستصل الى أوروبا
وفي الغد ستصل "صواريخ قسام وناصر".
وأكثر من ذلك فإن الاسرائيليين يتحدثون اليوم كثيرا عن أهمية تقارب الحضارات بين
البشر ويقولون ان المشكلة بين الغرب وبين العرب والمسلمين ليست سياسية فحسب بل هي
حضارية، فالمسلمون يؤمنون بالعنف دينيا ولا يؤمنون بالديمقراطية ولا توجد لديهم
تقاليد نظام حضارية، وها هو الدليل في العراق وفي أفغانستان وفي قطاع غزة وفي لبنان
وغيرها، حيث يقتتل العرب والمسلمون فيما بينهم، وتسيل الدماء في حروبهم الداخلية
بسهولة.
والهدف من كل ذلك هو جعل الأوروبيين يغيرون مواقفهم المناصرة للحق العربي
والفلسطيني ، والاقتراب من المواقف الاسرائيلية، خصوصا في تأييد خطة اولمرت ولكن
أيضا في القضايا الأخرى.
التأثير الفلسطيني
ازاء كل ما جرى ذكره، خصوصا حول العلاقات الاستراتيجية المتينة بين اسرائيل
والولايات المتحدة، والتغييرات في أوروبا، يطرح السؤال: وهل نستطيع نحن الفلسطينيين
أن نفعل شيئا في التأثير على مجريات الأحداث؟
وجوابنا القاطع هو : بالتأكيد هناك ما يمكن عمله. فالطرف الفلسطيني رغم ضعف مكانته
الدولية وتأثيره المحدود، يستطيع ان يعمل وأن يعمل الكثير. ولكي نتبين ما يمكن
عمله، لا بد أولا من اطلالة على الساحة الاسرائيلية.
المعروف ان الهدف الأساسي لرئيس الحكومة الاسرائيلية من هذه الخطة هو التهرب من
تنفيذ "خريطة الطريق"، كونها بشكل أو بآخر تطرح تسوية للصراع على أساس الانسحاب من
المناطق المحتلة العام 1967. فهو لا يريد ويعتقد انه لا يستطيع ان ينفذ انسحابا
كهذا حتى لو أراد.
في
الوقت نفسه فإن أولمرت لا يريد أن يظهر أمام العالم أو أمام الشعب الذي انتخبه في
اسرائيل بمظهر الرافض للسلام. فهو يعرف ان مثل هذا الظهور يكلفه ويكلف اسرائيل
ومواطنيها ثمنا باهظا لا يريد دفعه والشعب في اسرائيل أيضا لا يريد دفعه . فكما
أشرنا، الجمهور الاسرائيلي معني بالهدوء والسكينة ويريد الانتهاء من الصراع. وقد
انتخب حزب أولمرت لأنه وعد بأن يحقق له هذا الهدوء. لذلك فإن الانسحاب من مناطق
واسعة في الضفة الغربية استهدف البرهنة للعالم على ان اسرائيل مستعدة لعمل شيء جديد
من أجل السلام. والعالم يقبل المنطق الاسرائيلي، وليس لأن هذا العالم سيء ولا لأنه
متحيز لاسرائيل فحسب. بل بالأساس لأن الجانب الاسرائيلي يعرف كيف يجند العالم الى
صفوفه أكثر من الجانب الفلسطيني.
والعالم الذي نقصده ليس فقط الحكومات، مع اننا نعتقد انه بالامكان التأثير أيضا على
الحكومات. ففيه أيضا شعوب ورأي عام ومؤسسات مدنية وشركات اقتصادية ومنظمات حقوق
انسان وصحافة واعلام وطلاب جامعات سيصبحون بعد بعض سنوات قادة لشعوبهم. فمن الواضح
ان اسرائيل لا تستطيع أن تشتري كل هؤلاء حتى تجندهم الى جانبها. ولنعترف ان الكثير
من هؤلاء تجندوا الى جانب اسرائيل ليس لأنهم منحازون للخطأ او للاحتلال او للتجويع،
بل لأنهم لا يعرفون الحقيقة أو لأننا نحن الفلسطينيين نبث اليهم رسالة سيئة.
ان
السياسة الاسرائيلية مبنية منذ اقامة اسرائيل على اعطاء صورة معكوسة لواقع الصراع.
فهي التي تحتل الشعب الفلسطيني لكنها تظهر انها الضحية. هي التي تحاصر الشعب
الفلسطيني وتتسبب في فقره وجوعه ولكنها تشكو أمام العالم من الاعتداءات الفلسطينية
على سكانها المدنيين. هي تمنع الشباب الفلسطيني من ممارسة حياتهم في أجمل سنوات
العمر لكنها تظهر الفلسطيني ذلك الشاب المتوحش الذي يفجر نفسه أمام ناد ليلي على
شاطيء تل أبيب ليدمر فرحهم ويقتل أكبر عدد من شبانهم وصباياهم الأبرياء. هي تمنع
الطفل الفلسطيني من عيش طفولته وتظهر الفلسطينيين قتلة الأطفال اليهود.
وحتى في هذه الأيام نجد كيف تبدو المعادلة مقلوبة في العالم: فالحكومة الاسرائيلية
تطرح خطة، وبغض النظر عن ايجابياتها وسلبياتها، فإن هدفها الأساسي هو التهرب من
مستلزمات عملية السلام الجذرية العميقة التي تضع حدا للصراع. وبالمقابل فإن السلطة
الفلسطينية، بكل فصائلها بما في ذلك "حماس"، تريد تسوية على أساس اقامة دولة
فلسطينية في حدود 1967، عاصمتها القدس. لكن من يسمع رئيسي الحكومتين الفلسطينية
والاسرائيلية لا يمكن أن يفهم الصورة على هذا النحو. فرئيس الحكومة الاسرائيلية
يقول انه يمد يده للشعب الفلسطيني ويقول له – "نحن تنازلنا عن نصف حلمنا لكي نوفر
لكم امكانية اقامة دولة فلسطينية فتنازلوا عن نصف احلامكم مثلنا". ورئيس الحكومة
الفلسطينية يظهر موقفا معاكسا لموقفه الحقيقي فيرفض حتى مبادرة السلام العربية .
اسرائيل ترفض الاعتراف بنتائج الانتخابات الديمقراطية الفلسطينية وترفض التفاوض مع
السلطة الفلسطينية بسبب فوز "حماس"، بينما حكومة فلسطين برئاسة "حماس" تقرر السماح
لوزرائها بأن يتحادثوا مع نظرائهم الاسرائيليين حول قضايا ملحة تخص وزاراتهم، ثم
تعلن انها لن تعترف باسرائيل. فلماذا نطرح خطابا معاكسا لهذا الواقع ونتسبب في فهم
معكوس لقضيتنا؟!
وهناك أمثلة كثيرة يصعب حصرها في هذا المجال، وهي تدل على ان التأييد لاسرائيل ليس
دائما ناجما عن موقف مسبق من الفلسطينيين وليس دائما ناجما عن تحيز لاسرائيل، بل
ناجم عن مواقفنا الخاطئة وعن خطابنا غير المدروس وعن عدم فهمنا للواقع وفشلنا في
قراءة الخارطة واصابتنا بمرض عدم فهم المقروء . وفي الوقت نفسه هناك مثل آخر معاكس
ذكرناه سابقا عن الادعاء الاسرائيلي بأنه لا يوجد شريك فلسطيني لاسرائيل في مفاوضات
السلام، لا بد من اعادة التذكير به. فالمعروف ان حكومة اسرائيل السابقة والحكومة
الحالية أيضا، وخصوصا رئيسها ووزيرة خارجيتها، سعت بكل قوتها للترويج لفكرة أنه لا
يوجد شريك فلسطيني لاسرائيل في عملية السلام. وقد فشلت هذه الفكرة بسبب اصرار
الرئيس أبو مازن على خطاب السلام. ومما لا شك فيه انه لو تم استثمار خطاب أبو مازن
أكثر وعرف طاقم مساعديه كيف يروجه وكيف يطعمه بالمبادرات الجماهيرية المدروسة
والمثابرة ، لكانت النتائج أفضل بكثير.
وبناء على ذلك، لا بد من طرح عدد من الأفكار لمواجهة هذا الواقع في سبيل تغييره.
هذه الأفكار تحتاج الى جهد وموارد وشجاعة، ولا نتوقع أن تنفذ بين يوم وليلة، بل
بعضها يحتاج الى تغيير مفاهيم جذرية. ولكن لا بد من البدء في القيام بها في سبيل
التعجيل في توصيل شعبنا الفلسطيني الى تحصيل حقه في الحياة الكريمة وليهنأ بالحرية
والاستقلال. وبما اننا نرى ان قصتنا طويلة جدا، ولم يحن وقت تسويتها بعد، فإن كل
خطوة نقوم بها اليوم مفيدة للمستقبل.
مقترحات للعمل
الأمر الأساس المطلوب وضع رؤيا استراتيجية تكون المواقف الفلسطينية خاضعة لها،
وينبغي ان تكون تلك استراتيجية واضحة وبسيطة ومفهومة للعالم، كما ينبغي أن تتماثل
مع الأولويات الدولية في عصرنا على الأقل في الأمور التي لا يوجد تناقض بينها وبين
مفاهيمنا.
على سبيل المثال:
-
الديمقراطية: الديمقراطية تقف اليوم على رأس سلم الأفضليات في العالم. حتى لو كان
المبادرون لطرحها بهذا الشكل يقصدون جعلها مجرد غطاء للحرب على العراق ولفرض
الأجندة الأميريكية على العالم، فإن الكثير الكثير من العناصر المؤثرة في السياسة
العالمية يصدقون الطرح الأميريكي ويقيسون على أساسه كل الأمور. وبما أن الديمقراطية
هي أيضا مطلب فلسطيني داخلي ومطلب عربي شامل، فلا بأس من أن نتبناه ، نحن
الفلسطينيين بالذات، بكل قوتنا. ونقول نحن الفلسطينيين بالذات، لأننا حققنا في مطلع
السنة انجازا تاريخيا حقيقيا على الصعيد الديمقراطي. ولا نقصد بذلك فقط الانتخابات
الديمقراطية، فمثل هذه الانتخابات تمت في سنة 1996 أيضا، لكن الأهم من ذلك هو ما
جرى بعد الانتخابات من تداول للسلطة. فهذه هي أول مرة في تاريخ العرب المعاصر يتم
فيها تداول السلطة، بين حزب المعارضة وحزب السلطة. وقد تم تداول السلطة بوعي
وبمسؤولية بارزين. مثل هذا الحدث يجب أن يكون جزءا أساسيا من الخطاب الفلسطيني ومن
الاداء الفلسطيني. علينا أن نذكر العالم دائما بأننا حققناه وبأننا نمارسه يوميا في
شتى المجالات. وهناك عناصر أخرى للديمقراطية لم تمارس بعد في فلسطين وعلينا أن نشعر
أنفسنا ونشعر شعبنا ونشعر العالم بأننا واعون لها ونتقدم فيها الى الأمام.
فالديمقراطية هي مصلحة استراتيجية للشعب الفلسطيني.
فإذا وافقنا على هذا
المبدأ، علينا أن نحرص أولا على ممارسة هذا القول بالفعل. والشرط الأول لذلك هو أن
تظهر حركة "فتح"، بوصفها الحزب الحاكم سابقا في الحكومة، مدافعة عن الديمقراطية
ومتمسكة بها. من حق فتح وواجبها أن تعمل بالطبع على اسقاط حكومة حماس، مثلما هو من
حق الليكود في اسرائيل أن يسقط حكومة اولمرت ومن حق الحزب الديمقراطي الأميريكي أن
يسقط ادارة الرئيس بوش. ولكن هذا ينبغي ان يتم بالطرق الديمقراطية البرلمانية من
خلال اداء فاعل في المعارضة يتجلى في كل بحث برلماني. وفي الوقت نفسه يجب أن يصحبه
خطاب مناسب ازاء الخارج. فمن الضروري أن تكون رسالة جميع الأحزاب الفلسطينية مبنية
على موقف واضح يقول: نحن قوة معارضة ونرى باسف فشل حكومتنا، ولكن شعبنا وحده وفقط
في الانتخابات الديمقراطية يعاقب "حماس" على فشلها. ونرفض الحصار والمقاطعة وكل
اجراء جاء لمعاقبة الشعب الفلسطيني على طريقة تصويته. وينبغي تعميم الممارسة
الديمقراطية وتعميقها لتشمل الاعلام والتعليم في المدارس والجامعات، وأن نقيم
القيامة لأي اعتداء على الممارسة الديمقراطية في حياتنا اليومية.
وفوق هذا كله ينبغي أن
نتوصل الى قناعات ذاتية حقيقية صادقة بأن الديمقراطية ضرورية لنا. فعندما نتوصل الى
هذه القناعة ونتكلم فيها في دواويننا في البيوت وفي المطاعم وكذلك في غرف نومنا،
نبدأ في توصيل الرسالة للعالم بأننا، نحن الفلسطينيين نستطيع ان نكون ضمن "عائلة
الشعوب الديمقراطية في العالم"، من الهند واليابان شرقا وحتى الولايات المتحدة
وكندا غربا.
وعلينا ان ننتبه الى ان
العالم مستعد لقبولنا بهذا المشهد. فقد تحمس كثيرا لنتائج الانتخابات ولتداول
السلطة لدينا، وكما لاحظنا فإن الشعوب العربية استبشرت خيرا في تجربتنا وبدأنا نسمع
اشادة المثقفين العرب بهذا الانجاز وتمنياتهم بأن يلحقوا بالشعب الفلسطيني في هذا
الانجاز ، لكننا من جهتنا لم نهتم كثيرا في ابراز هذا التطور التاريخي. ولم نجعله
بعد لغة خطاب يومية. وبالمناسبة، فإن خطابا ديمقراطيا مثابرا كهذا من شأنه أن يعيد
لحركة فتح الكثير من الأصوات التي خسرتها في الانتخابات الأخيرة.
-
مكافحة الارهاب: من الواضح ان لشعبنا الفلسطيني ولقائدة ثورته بالذات، حركة فتح،
يصعب استخدام كلمة "مكافحة الارهاب". وهذا مفهوم. ففي مرحلة معينة من تاريخها
استخدمت نفس الأساليب التي مطلوب اليوم ادانتها. ولكن مع ذلك علينا أن نفرق بين
اليوم والأمس، إن كان ذلك من ناحية الظروف أو من ناحية المواقف. فظروف اليوم ليست
هي نفسها ظروف الأمس. وفتح اليوم ليست فتح الأمس. فتح حركة براجماتية ثارت في حينه
واستخدمت السلاح ونفذت العمليات التفجيرية لكي يسمع العالم صوت هذا الشعب الذي لم
يكن مسموحا، ولكي تبدأ مسيرة احقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في الحرية
والاستقلال ووقف التشرد. والأساليب التقليدية للكفاح التي تستخدمها بعض العناصر
الفلسطينية المسلحة تضر اليوم بمصلحة النضال الوطني من أجل تلك الأهداف، بل تحقق ما
هو عكس هذه الأهداف ويجب أن يقال الأمر صراحة. ان غالبية الجمهور الفلسطيني تقول
هذا الرأي. وغالبية القادة أيضا. وكل أصدقاء الشعب الفلسطيني يقولون ذلك. وحان
الوقت ليصبح خطابنا جميعا.
ان أهمية التعاطي بهذا
الخطاب على صعيد حركي واسع، وعدم القاء مهمة الافصاح به على الرئيس ابو مازن وحده،
هو من أهم الرسائل التي يمكن لشعبنا أن يرسلها الى العالم. ان الكثيرين ممن يمارسون
الارهاب في العالم، ونقصد بالارهاب قتل المدنيين الأبرياء، انما يمارسونه باسم
الشعب الفلسطيني ويزعمون انهم يمارسونه من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني، بينما
المصلحة الحقيقية هي في الابتعاد عن هؤلاء كما نبتعد عن النار. ان قتل المدنيين
يساعد قوى اليمين المتطرف في اسرائيل التي تقول ان لا أمل في السلام مع الشعب
الفلسطيني ولا طريق معه سوى الحرب والقصف والدمار. وهذه الأساليب تساعد أولئك الذين
يريدون اظهارنا متوحشين، لا نفهم لغة الحياة، وتنسي العالم حقيقة الاحتلال المجرم
وما يرتكبه ضد شعبنا من ممارسات همجية تصل في بعض الأحيان الى مستوى المجازر. أن
الكثير من تصرفاتنا وعملياتنا تظهرنا في أحسن الأحوال، على قدم المساواة مع
الاحتلال، هو المدجج بأسلحة الدمار الشامل والذي يحتل الأرض ويخنق الشعب، ونحن
الضحية المقموعة، نصبح مثل بعضنا البعض.
-
خطاب
الحياة: ان من يطلع على حياة شعبنا الفلسطيني اليومية يصاب بزلزال للمشاعر والضمير.
انها حياة بؤس مرعبة. ولا نقصد فقط الفقر وتدهور الخدمات الصحية والاجتماعية
والبطالة واليأس. اننا نقصد أيضا الآفاق المعدومة وفقدان الأمل وفقدان الثقة
بالعالم عموما وبالغرب خصوصا من جراء ما يجري لهذا الشعب. وللأمانة، هناك عدد من
المؤسسات الفلسطينية التي ترصد بمثابرة هذه الحالات الفلسطينية والمعاناة الشخصية
التي يعانيها الانسان الفلسطيني، ولكننا لا نظهر اهتماما كافيا بها. مع العلم بأن
الغرب حساس جدا لهذه الأمور ولا يستطيع تجاهلها إذا تكلمنا فيها.
فمن منا يريد لإبنه أن
ينشأ وهو يفكر في تفجير نفسه ليقتل أكبر عدد من اليهود؟ كلنا نريد لأبنائنا أن
يضعوا لأنفسهم أهدافا انسانية، بان يريد أن يصبح صاحب عمل، أو عالما في الفيزياء أو
فائزا بجائزة نوبل للاقتصاد أو أن يصبح نجما سينمائيا أو نجما رياضيا. لماذا لا
تظهر هذه الرغبة في نقاشنا الداخلي؟ لماذا نقصر نقاشنا في الكثير من الأحيان على
"فوضى السلاح" و"ووقف أو الاستمرار في اطلاق الصواريخ أم لا" ونتجاهل الاحتياجات
الضرورية للانسان للشاب الفلسطيني؟ لماذا ننجر وراء الخطاب الاسرائيلي وخطاب بعض
القوى الفلسطينية التي لا تعرف سوى العنف والعنف المقابل. ففي الدنيا يوجد شيء آخر
غير الحرب. توجد الحياة وتوجد الثقافة والعلم والتطور والتنافس في الساحات
الحضارية. من حق القوى الأخرى أن تظل غارقة في ثقافة الموت بكل ما تحملها من معان
ومآس. من حق كل فئة أن تحاول جر شعبها الى مسيرة سبارطة الانتحارية. لكن من واجب
الحركات المتنورة ان تفكر بثقافة الحياة وتسعى للتغلب على ثقافة الموت.
-
خطاب
السلام: ليس هناك فئة أحوج من الشعب الفلسطيني للسلام. الجميع يريد السلام. ولكن
الشعب الفلسطيني هو أكثر المتضررين من غياب السلام. يخسر الأرض والوطن والحقوق
ويخسر الأمل والأمان ومع كل يوم جديد يخسر أكثر. لهذا فإن خطاب السلام هو خطابنا
نحن.
ولكن خطاب السلام ليس
مجرد كلام ندفعه ضريبة كلامية. انه خط استراتيجي. انه مبادرات جدية ومدروسة، لا
تخلو من الابداع والمثابرة. انه سلسلة امتحانات يعبرها الطرف المعني. ونحن نفتقد
للمبادرات. شغلنا الشاغل هو الرد على المبادرات الاسرائيلية. والعالم ينظر الى
ردودنا، فيجدها غير مقنعة وغير مجدية، نحتاج تارة الى مساعدة عربية وتارة الى
مساعدة أوروبية وربما أميريكية. وننتظر. ونغضب. ونشتم. وكل هذا لا ينفع.
حتى لو لم نرد أن نكون
مبادرين ومبدعين، بامكاننا ان نرد على المبادرات الأخرى بشكل مختلف، نبدأ أولا في
فحص ايجابياتها ونعلن ذلك ثم ننتقد ما هو سلبي فيها.
على سبيل المثال خطة
أولمرت. واضح انها ذات أهداف سلبية تجاهنا ومن الطبيعي أن لا نقبل بها، فهي أحادية
الجانب وتتجاهلنا نحن الفلسطينيين مع انها تتعلق بمصيرنا ومستقبلنا وأرضنا
ومشردينا. وهي تنطوي على أخطار أمنية أيضا لأنها لا تنهي الاحتلال وتقوي العناصر
المعادية للسلام في كل المواقع وتهدد باستمرار الصراع وربما مضاعفته. وعلينا أن
نوضح ذلك في معارضتنا. علينا أن نبادر الى طرح دراسة متكاملة عن أضرار هذه الخطة
والأهداف الحقيقة لحكومة أولمرت منها. وفي الوقت نفسه علينا أن نكون مستعدين لوضع
تنجح اسرائيل فيه بتطبيقها، فنشير الى ان الأمر الايجابي فيها هو الانسحاب من بعض
المناطق وازالة مستوطنات. فالغرب لا يفهم معارضتنا، وعلينا أن نوضح له ذلك. بل
علينا ان نعرف أن نستغل كل تطور لصالح قضية شعبنا، حتى لو لم يكن مرضيا لنا.
لقد سبق للرئيس الراحل،
ياسر عرفات، أن قال ذات مرة وهو يناقش أولئك الذين هاجموا اتفاقات أوسلو، "أنا
مستعد لأن أقيم دولة فلسطينية ولو على أريحا وحدها". وفي نفس السياق نذكر رسالة بعث
بها رئيس حكومة اسرائيل الأول، دافيد بن غوريون الى ابنه عاموس، الذي شك في انه غير
راض عن قراره قبول قرار تقسيم فلسطين. فكتب يقول: "دولة يهودية جزئية هي ليست
النهاية بل البداية. ان اقامة الدولة، حتى لو كانت جزئية هي الحد الأقصى من التعزيز
الذي نحتاجه في هذه المرحلة. أنا واثق من انه في المستقبل، لن يمنعنا أحد من السكنى
في أية بقعة من الأرض، إن كان ذلك بالاتفاق والتفاهم المتبادل مع جيراننا العرب، أو
بطريقة أخرى". وبقية السيناريو بين بن غوريون وبين رفاقه واضحة. فقد قامت اسرائيل
واتسعت، بينما راح شعبنا الفلسطيني يتشرد ويقاسي. وقد عانينا كفاية. وحان الوقت لأن
نقلب لغة الخطاب رأسا على عقب. فنحن الذين نريد السلام ونفيد من أية خطوة تقدم على
طريقه.
-
التأثير: ان أهم ساحة للتأثير يحتاجها شعبنا الفلسطيني وهو قادر على تحقيق
الانجازات فيها، هي الساحة الاسرائيلية. فكل ما ذكر من اقتراحات لتطوير الخطاب
الفلسطيني الداخلي والخطاب الموجه الى العالم، ينسحب على الساحة الاسرائيلية بشكل
مضاعف. فالاسرائيليون، صحافة وشعبا وقيادة، ينصتون جيدا لما يجري في الساحة
الفلسطينية. يراقبون ما يكتب وما يقال. ويتاثرون. وفي اسرائيل الحكم هو حكم الشعب.
في الانتخابات يسقطون حكومة ويأتون بحكومة أخرى. رأي الشارع مهم للمسؤولين. في كل
أسبوع يجرى استطلاع رأي أو أكثر لسماع نبض الشارع في هذه القضية أو تلك. فعندما
اقتنع الجمهور بأن أبو مازن يصلح شريكا ، وقد اقتنع أولا بفضل مواقف أبو مازن ا،
قال غالبيته انه يصلح شريكا على الرغم من موقف أولمرت وتسيبي لفني. فقرر أولمرت
اجراء لقاء مع ابو مازن. فمع أن أولمرت ليس صادقا في هذا اللقاء وربما يستخدمه فقط
لاسكات الرأي العام، ولكنه يجريه رضوخا لارادة الناس. وهذا الرضوخ يجر في أعقابه
أشياء أخرى.
الخلاصة
ان خطة أولمرت ليست بالشيء المقدس. فقد تنجح وقد تسقط. إلا ان أهم ما
فيها هو استبعاد الطرف الفلسطيني عن مدار بحثها، مع انه صاحب الشأن الأول فيها.
لكن هذا ليس بالأمر القدري، بل يمكن تغييره. فالطرف الفلسطيني قادر على فرض ذاته
حتى على الموقف الاسرائيلي، إذا عرف كيف يصوغ موقفه ويبلور طريقه. والأمر يحتاج الى
قراءة صحيحة للعالم وتوازنات القوى فيه، ويحتاج الى ادراك أكبر لحاجات الشعب
الفلسطيني، بل اتباع نهج حر وتحرري يضع الانسان الفلسطيني في رأس سلم الاهتمام
ويطرح خطابا جديدا يلائم تطورات العصر، خطابا لا يترك اسرائيل لاعبا وحيدا
بمصيرنا.
-- انتهى --